العوائد تختبر صلابة المشترين
البنوك تراهن على التعافي

انخفضت أسعار الذهب اليوم الأربعاء قليلاً، في وقت وجد المعدن فيه نفسه أمام معادلة معقدة، مع استمرار الطلب على الملاذات الآمنة في مقابل عودة الفائدة المرتفعة إلى صدارة حسابات المستثمرين، وتراجع أسعار النفط وتماسك الدولار.
وتعيد الأسواق تقييم المسار النقدي العالمي بعد تشديد البنوك المركزية الكبرى، بينما عززت تصريحات مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي احتمالات بقاء تكاليف الاقتراض مرتفعة لفترة أطول لمواجهة التضخم.
تضع هذه المعادلة الذهب أمام اختبار جديد، إذ يضغط ارتفاع العوائد على المعدن الذي لا يدر فائدة، بينما توفر المخاطر الجيوسياسية وطلب البنوك المركزية حاجزاً أمام موجة هبوط أعمق.
قال مدير استراتيجيات السلع الأولية في «تي دي سيكيوريتيز»، بارت ميليك: «تكمن المشكلة في أنه على الرغم من الاتجاه النزولي لأسعار النفط نوعاً ما، يواصل السوق توقع احتمالات قوية لإقدام الاحتياطي الفيدرالي على رفع الفائدة».
وأضاف ميليك في مذكرة: «شهدنا قدراً من القوة التي اتسم بها الدولار خلال الأيام القليلة الماضية، وعادة ما يكون ذلك عاملاً سلبياً بالنسبة للذهب».
تغيرت معادلة الذهب بعد رفع الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة 25 نقطة أساس الأسبوع الماضي إلى نطاق 3.75–4.00%، مع إشارة توقعات صانعي السياسة إلى إمكانية تنفيذ زيادة أخرى قبل نهاية العام.
ودعمت رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في بوسطن، سوزان كولينز، قرار الرفع، محذرةً من ارتفاع احتمالات بقاء التضخم أعلى بصورة ملحوظة من مستهدف البنك المركزي البالغ 2%.
ترى كولينز أن تحسن أوضاع سوق العمل يمنح السياسة النقدية مساحة أكبر للتركيز على استعادة استقرار الأسعار، وأن مستوى أكثر تشدداً للفائدة قد يساعد على إعادة التضخم بصورة مستدامة إلى المستهدف.
يضع تشدد الفيدرالي الذهب في مواجهة مباشرة مع عوائد السندات المرتفعة، إذ ترتفع تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بالمعدن كلما زادت العوائد المتاحة على الأصول التي تمنح المستثمر دخلاً ثابتاً.
وقال محلل الأسواق لدى منصة «نيمو موني»، جيمي دوتا، إن السياسة النقدية الأكثر تشدداً تمثل رياحاً معاكسة للذهب، وإن تنفيذ أكثر من زيادة للفائدة قبل نهاية العام قد يضغط بصورة أكبر على المعدن.
يرى دوتا أن الذهب يتحرك في الأجل القصير داخل نطاق بين 4300 و4400 دولار للأونصة؛ ما يجعل قدرة المعدن على كسر حدود هذا النطاق مرتبطة بتغير توقعات الفائدة الأميركية.
لا يأتي الضغط النقدي من الولايات المتحدة وحدها، إذ رفعت بنوك مركزية كبرى أسعار الفائدة خلال الفترة الأخيرة، ورفع بنك اليابان الفائدة.
بينما اتخذ البنك المركزي الأوروبي خطوة مماثلة، في وقت أصبحت أسعار الطاقة عنصراً أكثر حضوراً في حسابات صانعي السياسة مع استمرار مخاطر التضخم.
قال رئيس البنك المركزي الألماني، يواخيم ناغل، إن أسعار النفط أصبحت مؤشراً متزايد الأهمية في قرارات الفائدة الأوروبية، مع بقاء عوامل أخرى مؤثرة في تقييم مسار الأسعار.
يفصل بنك «يو بي إس» بين الضغوط التي يواجهها الذهب حالياً والمسار الأطول أجلاً، إذ يرى أن قرار «الفيدرالي» الأخير خلق رياحاً معاكسة قد تبقي تقلبات المعدن مرتفعة في المدى القريب.
ووصف محلل السلع لدى «يو بي إس»، جيوفاني ستونوفو، قرار «الفيدرالي» بأنه رفع متشدد أنهى فترة طويلة من التوقف، مع إظهار التوقعات استعداد غالبية صانعي السياسة لتنفيذ زيادة إضافية هذا العام.
يحافظ البنك في المقابل على نظرته الإيجابية للذهب خلال 12 شهراً، مستنداً إلى اتساع العجز المالي الأميركي وإمكانية ضعف الدولار، وهي عوامل قد تعيد الدعم للمعدن بعد انحسار ضغط الفائدة.
يذهب «غولدمان ساكس» أبعد في الرهان على استعادة الذهب زخمه، إذ يتوقع وصول المعدن إلى 4900 دولار للأونصة بنهاية 2026، رغم التحول الذي شهدته توقعات السياسة النقدية خلال الأشهر الأخيرة.
ويربط البنك توقعاته باستمرار الطلب القوي من البنوك المركزية الساعية إلى تنويع احتياطياتها بعيداً عن العملات، إلى جانب الطلب الاستثماري الذي وفر دعماً هيكلياً للأسعار خلال موجات الهبوط.
يرى «غولدمان ساكس» أن تقليص الأسواق لاحقاً رهانات رفع الفائدة الأميركية يمكن أن يعيد أحد المحركات المهمة للذهب، مع بقاء مشتريات البنوك المركزية قاعدة دعم تتجاوز تحركات الجلسات القصيرة.
تدعم هذه القراءة توقعات بنوك عالمية أخرى، إذ أبقى «جيه.بي.مورغان» على مستهدفه للذهب عند 6300 دولار للأونصة بنهاية 2026، رغم الضغوط التي فرضها ارتفاع توقعات الفائدة.
ويربط «جيه بي مورغان» نظرته طويلة الأجل بزيادة مشتريات البنوك المركزية وتنويع الاحتياطيات العالمية، وهي عوامل يرى أنها تعكس تحولاً يتجاوز العلاقة التقليدية بين الذهب والفائدة الأميركية.
كما يرى مجلس الذهب العالمي أن المعدن يظل حساساً للتحولات المفاجئة في توقعات الفائدة والمخاطر الجيوسياسية، بعدما شهد النصف الأول من العام تقلبات حادة بين مستويات قياسية وموجات تصحيح واسعة.
يشير المجلس أيضاً إلى أن عودة اتجاه صعودي قوي تحتاج إلى محفز واضح، مثل تدهور الأوضاع الاقتصادية أو الجيوسياسية، أو انعكاس توقعات الفائدة، أو زيادة مشاركة المستثمرين على المدى الطويل.