الممتداولون يعيدون تسعير رهان الفائدة في سبتمبر
السوق تترقب الظهور الأول لوارش في جاكسون هول

يكتسب الظهور الأول لرئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي «البنك المركزي الأميركي» كيفن وارش، في ندوة «جاكسون هول» هذا الأسبوع، حساسية خاصة للأسواق، خاصة بعد بيانات تضخم فاقت التوقعات، من شأنها إعادة ترتيب أوراق توقعات الفائدة ليس في الولايات المتحدة فقط، بل والعالم.
وتشير القراءة الحالية إلى أن ضغوط الأسعار لم تتراجع بالسرعة الكافية لتغيير الصورة التضخمية بصورة واضحة، في الوقت الذي لا يزال فيه إنفاق المستهلكين متماسكاً نسبياً، لذلك ستظل البيانات المقبلة، إلى جانب مؤشرات سوق العمل، حاسمة في تحديد تقييم الأسواق لمسار السياسة النقدية الأميركية.
ويرى محللون أن تقرير يوليو يقدم مزيجاً مختلطاً من استمرار التضخم وقوة نسبية في إنفاق المستهلك؛ ما يبقي بيانات الأسعار والطلب تحت المراقبة قبل قرارات الاحتياطي الفيدرالي المقبلة.
وغالباً ما تتحرك أسعار الفائدة في البنوك المركزية حول العالم على خطى الفيدرالي الأميركي، نظراً لارتباط الاحتياطيات النقدية بالدولار، وحيازات سندات الخزانة الأميركية، ومستويات العائد على الديون الأميركية.
استقرار التضخم عند 3.7% يعني بقاء مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي فوق هدف الفيدرالي للشهر الـ65 على التوالي، بينما تشير القراءة الشهرية إلى توقف التحسن الأخير في ضغوط الأسعار، مع ارتفاع المؤشر 0.2% في يوليو بعد انخفاضه 0.1% خلال يونيو.
جاءت البيانات أعلى من التوقعات، وأعلى كثيراً من هدف مجلس الاحتياطي الفيدرالي البالغ 2%، في وقت زادت فيه الضغوط على البنك المركزي بشأن مسار أسعار الفائدة خلال الأشهر المقبلة.
وأظهرت بيانات وزارة التجارة الأميركية ارتفاع مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي 0.2% على أساس شهري في يوليو، بعد انخفاضه 0.1% في يونيو، متجاوزاً توقعات الاقتصاديين بزيادة 0.1%، بينما استقر المؤشر الأساسي عند 3.3% على أساس سنوي وارتفع 0.2% على أساس شهري.
وتراجعت بيانات النمو من المشهد مؤقتاً، مع إعلان مكتب التحليل الاقتصادي الأميركي عن قراءة متوافقة مع التوقعات للناتج المحلي الإجمالي في الربع الثاني من العام الحالي، إذ نما الاقتصاد الأميركي 1.5%، بما جاء موافقاً لتوقعات الأسواق والقراءة السابقة.
ترى «جمعية المصرفيين الأميركيين» أن بيانات يوليو تظهر استمرار ضغوط التضخم وعدم إحراز تقدم كافٍ نحو هدف الفيدرالي البالغ 2%، مشيرة إلى أن استمرار ارتفاع الأسعار قد يزيد الضغوط على ميزانيات الأسر ويؤثر لاحقاً في أداء القروض الاستهلاكية.
وقال مؤسس ورئيس «إنفليشن إنسايتس» عمير شريف إن البيانات تدعم رفع أسعار الفائدة، مشيراً إلى أن قراءة التضخم الأساسي الشهرية قبل التقريب بلغت 0.246%، وهو مستوى قريب من زيادة قدرها 0.3% على أساس شهري.
أما المؤشر الأساسي، الذي يستبعد أسعار الغذاء والطاقة، فاستقر عند 3.3% على أساس سنوي، في حين ارتفع 0.2% خلال يوليو مقابل 0.1% في الشهر السابق؛ ما يعكس استمرار ضغوط الأسعار الأساسية رغم تراجع التضخم من ذروته السابقة.
ترى «كونفرنس بورد» أن قراءة يوليو تمثل شرطاً ضرورياً لإبقاء الفيدرالي أسعار الفائدة من دون تغيير في سبتمبر، لكنها ليست كافية وحدها، إذ يحتاج البنك إلى رؤية بيانات أغسطس للتضخم، ولا سيما مؤشري أسعار المنتجين والمستهلكين، من دون عودة للتسارع قبل اجتماع الـ16 من سبتمبر.
وقال كبير الاقتصاديين لدى «ويلز فارغو» توم بورسيلّي في مذكرة إن مسار التضخم يظل عاملاً مهماً في تحديد موقف الفيدرالي بشأن أسعار الفائدة خلال ما تبقى من اجتماعات هذا العام.
وأشار إلى ارتفاع عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل عامين إلى 4.21%، في انعكاس لحساسية هذا الجزء من منحنى العائد لتوقعات السياسة النقدية؛ ما يصعب مهمة وزارة الخزانة في إعادة الانضباط إلى سوق السندات.
في حين يرى محللو «غولدمان ساكس» أن رفع الفائدة في سبتمبر لا يزال غير مرجح، رغم استمرار التضخم فوق هدف الفيدرالي، إذ يتوقف تقييم البنك لمسار السياسة النقدية على ما إذا كانت البيانات المقبلة ستؤكد استمرار ضغوط الأسعار أو عودتها إلى التراجع.
في المقابل، يرى الخبير الاقتصادي في «جيه بي مورغان» ديفيد كيلي أن التضخم الحالي لا يبدو ثابتاً بالدرجة التي تبرر رفع الفائدة، في وقت يشير فيه بعض الاقتصاديين إلى أن جزءاً من الضغوط الحالية مرتبط بعوامل من جانب العرض؛ ما يجعل تأثير رفع الفائدة عليها محدوداً.
وأضاف في مذكرة أن قراءة يوليو لا تجعل رفع الفائدة في سبتمبر أمراً محسوماً، لكنها تعيد خيار التشديد إلى الطاولة بقوة أكبر، فيما تتحول كلمة وارش في جاكسون هول إلى محطة رئيسية لتحديد ما إذا كان الفيدرالي يرى التضخم الحالي عائقاً أمام خفض الفائدة، أم ضغوطاً مؤقتة يمكن تجاوزها من دون رفع جديد.
وقال محللو بنك «آي إن جي» في مذكرة، إن رهانات خفض أو تثبيت الفائدة لا تعني بالضرورة استمرار ضعف الدولار، إذ ستظل العملة الأميركية حساسة للفارق بين عوائد السندات الأميركية ونظيراتها العالمية.
في المقابل، لا يزال محللو «جيه بي مورغان» يتوقعون بقاء الاحتياطي الفيدرالي على موقفه دون تغيير خلال بقية العام، معتبرين أن ارتفاع التضخم لا يكفي وحده لتغيير مسار السياسة النقدية، ما لم تظهر بيانات جديدة تؤكد استمرار الضغوط السعرية.
تأتي قراءة التضخم قبل الظهور الأول لوارش في ندوة جاكسون هول، حيث يواجه رئيس الفيدرالي اختباراً مهماً لتوضيح رؤيته بشأن التضخم وما إذا كانت الضغوط الحالية مؤقتة بفعل الرسوم الجمركية والحرب، أم أنها تعكس سخونة أوسع في الاقتصاد الأميركي.
ويرى محللا «ستاندرد تشارترد» ستيف إنغلاندر وجون ديفيز أن وارش قد يستغل كلمته في «جاكسون هول» لتأكيد التزام الفيدرالي بمحاربة التضخم وطمأنة الأسواق إلى استمرار العمل نحو تحقيق هدف البنك، مع احتمال أن تساعد الرسالة الواضحة على تهدئة علاوة الأجل في سوق السندات.
وتزداد أهمية الكلمة مع انقسام مسؤولي الفيدرالي بشأن الفائدة، إذ صوت ثلاثة مسؤولين الشهر الماضي لصالح رفعها، في أعلى عدد من الأصوات المعارضة لقرار السياسة النقدية منذ عقد، بينما لم يحدد وارش حتى الآن موقفه بشكل واضح بشأن رفع الفائدة في سبتمبر.
وتضع بيانات يوليو وارش أمام اختبار أكثر صعوبة، فالتضخم الأساسي لا يزال عند 3.3%، والاقتصاد أظهر مرونة نسبية، بينما تترقب الأسواق ما إذا كان رئيس الفيدرالي سيعطي إشارة أكثر تشدداً في جاكسون هول، أم سيؤكد الحاجة إلى انتظار مزيد من البيانات قبل تغيير مسار الفائدة.
قال رئيس قسم التداول لدى «ماني كورب» يوجين إبستين في مذكرة للعملاء إن المستويات الحالية لتوقعات أسعار الفائدة تعكس ميلاً أكبر نحو التشديد.
وارتفعت احتمالات رفع أسعار الفائدة في اجتماع سبتمبر إلى 42%، من 36% قبل صدور البيانات، بينما يتوقع 53% من المتداولين رفعها في أكتوبر، ارتفاعاً من 47%، وفقاً لبيانات «فيد ووتش».
وفي اجتماع ديسمبر، ارتفعت احتمالات رفع أسعار الفائدة إلى 73%، من 68% قبل صدور البيانات؛ ما يعكس تحولاً تدريجياً في تسعير المسار المتوقع للسياسة النقدية بعد قراءة التضخم.
وتترقب الأسواق الآن كلمة رئيس الفيدرالي غداً وبعد غد في «جاكسون هول»، بحثاً عن إشارات بشأن التضخم وأسعار الفائدة، خصوصاً بعد ارتفاع رهانات رفع الفائدة في سبتمبر عقب صدور بيانات الأسعار، فيما يبقى السؤال الرئيسي أمام المستثمرين هو ما إذا كان وارش سيمنح الأسواق سبباً إضافياً لتسعير التشديد، أم سيترك الباب مفتوحاً أمام انتظار مزيد من البيانات.