logo
أسواق

زلزال السندات.. هل تشتري واشنطن الراحة الآن وتؤجل انفجار كارثة الديون؟

الخزانة تضاعف إعادة شراء السندات طويلة الأجل

«جيه بي مورغان»: واشنطن تعالج المشكلة بالفيزا

الديون والذكاء الاصطناعي يتنافسان على السيولة

زلزال السندات.. هل تشتري واشنطن الراحة الآن وتؤجل انفجار كارثة الديون؟
وزير الخزانة الأميركي، سكوت بيسنت، متحدثاً إلى وسائل الإعلام حول إعلان للرسوم الجمركية من الرئيس دونالد ترامب، 9 أبريل 2025.المصدر: رويترز
تاريخ النشر:

اهتزت سوق السندات الأميركية تحت ضغط موجة بيع دفعت عوائد الديون طويلة الأجل إلى أعلى مستوياتها في سنوات، قبل أن تتدخل وزارة الخزانة بخطة لتوسيع عمليات إعادة الشراء، في خطوة منحت السوق هدنة قصيرة لكنها لم تبدد المخاوف بشأن حجم الدين والعجز والطلب على الديون الأميركية.

وتكشف الخطوة عن معركة أوسع، إذ تواجه الخزانة احتياجات اقتراض ضخمة في وقت يتزايد فيه إصدار الديون الحكومية عالمياً، بينما تنافس شركات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي أيضاً على رأس المال، ما يضع المستثمرين أمام سوق تحتاج إلى عوائد أعلى لاستيعاب المعروض المتزايد من السندات.  

أخبار ذات صلة

وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت خلال مؤتمر صحفي بـ«روزنباد» في العاصمة السويدية ستوكهولم، يوم 29 يوليو 2025.

عقوبات تاريخية على إيران.. هل تقود لاصطدام واشنطن وطهران؟

الدولار ضحية

امتدت تداعيات أزمة السندات إلى الدولار، إذ تعرضت العملة الأميركية لضغوط عقب الإعلان الأول عن توسيع عمليات إعادة الشراء، مع تفسير بعض المستثمرين للخطوة باعتبارها استعداداً رسمياً لكبح العوائد بدلاً من ترك السوق تحدد تكلفة الاقتراض بالكامل.

  • ارتفع عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات نحو 0.1% خلال الأسبوع إلى 4.698%، مع استمرار تقلبات سوق الديون.
  • تراجع الدولار إلى أدنى مستوى في نحو شهر، متجهاً لخسارة أسبوعية تقارب 1% مقابل سلة من العملات الرئيسية.
  • يتجه الذهب لتحقيق مكاسب أسبوعية تقارب 4%، بينما تحوم الأونصة قرب أعلى مستوى في 3 أشهر عند 4600 دولار.
  • «بيتكوين» تتصدر الارتفاعات وتقفز 18% في يومين وتحوم قرب أعلى مستوى في نحو 3 أشهر قرب 76 ألف دولار. 

أخبار ذات صلة

أوراق من الدولار الأميركي في أحد مصارف ويستمنستر، كولورادو، الولايات المتحدة، يوم 3 نوفمبر 2009.

الدولار في قبضة الخزانة الأميركية.. هل تفقد السندات سلاحها؟

شراء الوقت

أعلنت وزارة الخزانة الأميركية مضاعفة حجم عمليات إعادة شراء السندات الحكومية طويلة الأجل إلى 4 مليارات دولار على الأقل لكل عملية، بدلاً من ملياري دولار سابقاً.

ومن المقرر أن يبدأ البرنامج في 9 سبتمبر ويستمر حتى 4 نوفمبر، مستهدفاً سندات بآجال من 10 إلى 30 عاماً.

وكان رد فعل السوق سريعاً، إذ تراجع عائد السندات لأجل 30 عاماً بنحو 10 نقاط أساس بعد الإعلان، قبل أن يعاود الارتفاع، بينما هبط عائد الـ10 سنوات مؤقتاً قبل أن يستعيد جزءاً من خسائره.

وقال وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت إن حجم عمليات إعادة الشراء قد يتجاوز 4 مليارات دولار لكل إصدار، مؤكداً استعداد الوزارة لاستخدام أدوات إضافية إذا استمرت ضغوط العوائد.

وزارة الخزانة الأميركية في واشنطن، الولايات المتحدة، 6 أغسطس 2018
وزارة الخزانة الأميركية في واشنطن، الولايات المتحدة، 6 أغسطس 2018المصدر: «رويترز»

حل غير دائم

يرى «جيه بي مورغان» أن عمليات إعادة شراء السندات قد توفر متنفساً مؤقتاً، لكنها لا تعالج المشكلة الأساسية المتمثلة في ارتفاع حجم الديون التي تحتاج إلى تمويل مستمر، خصوصاً مع استمرار العجز وارتفاع احتياجات الاقتراض.

وقال الرئيس المشارك للبحوث الأساسية العالمية في «جيه بي مورغان»، جيمس سوليفان، إن الخزانة تعيد شراء ديون طويلة الأجل بالتزامن مع الاعتماد على أدوات قصيرة الأجل.

أضاف سوليفان في مذكرة للعملاء: «هذه الاستراتيجية قد تخفف الضغط حالياً لكنها تترك عبء الدين قائماً»، وشبهها بدفع التزامات طويلة الأجل باستخدام بطاقة ائتمان.

وأشار سوليفان إلى نحو 40 تريليون دولار من ديون الحكومة الأميركية وحوالي 76 تريليون دولار لدى حكومات الأسواق المتقدمة عالمياً، بالتزامن مع مستويات قياسية من إصدار سندات الشركات. 

أخبار ذات صلة

موظفة تعرض أداة حساب يدوية قديمة من الذهب بمتجر في جينان عاصمة مقاطعة شاندونغ شرق الصين يوم 19 يناير 2016.

الذهب يتحدى الفائدة.. هل يفتح الدولار الضعيف باب الـ5000 دولار؟

معضلة حقيقية

تحتاج كل زيادة في إصدار السندات إلى مشترين جدد أو إلى زيادة شهية المستثمرين الحاليين، وإذا لم يكن الطلب كافياً فإن السوق تعدل السعر عبر رفع العائد لجذب رأس المال، وهي المعادلة التي يرى «جيه بي مورغان» أنها تحد من قدرة الخزانة على خفض تكاليف الاقتراض عبر إدارة الدين وحدها.

وتزداد حساسية المعادلة مع تراجع بعض المشترين التقليديين، إذ أظهرت بيانات الخزانة أن حيازات الصين من سندات الخزانة تراجعت إلى 633.4 مليار دولار في يونيو، وهو أدنى مستوى في البيانات الحالية.

الذكاء الاصطناعي

تزامن الضغط الحكومي مع موجة اقتراض متسارعة من الشركات، خصوصاً شركات التكنولوجيا التي تحتاج إلى تمويل مراكز البيانات والبنية التحتية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، إضافة إلى إعادة توطين الصناعات ومشروعات الأمن القومي.

وبحسب «جيه بي مورغان»، أصدرت شركات الذكاء الاصطناعي الرائدة سندات ديون بنحو 200 مليار دولار منذ بداية العام، بزيادة 80% عن العام السابق، ما يضيف منافساً جديداً للخزانة على أموال المستثمرين.

وقال كبير الاقتصاديين في «إنتراكتيف بروكرز»، خوسيه توريس، إن اتساع العجز واحتياجات تمويل شركات الذكاء الاصطناعي وارتفاع توقعات التضخم والتوترات الجيوسياسية تساهم جميعها في ارتفاع علاوة الأجل وتكاليف الاقتراض طويلة الأجل. 

أخبار ذات صلة

ناقلة النفط «كارولين بيزينغي» بين جزر حلانيات على الساحل الجنوبي لسلطنة عُمان، في 6 أغسطس 2026.

النفط في قبضة هرمز.. هل تشعل «حرب العقوبات» سعر البرميل؟

السندات والأسهم

أظهرت بيانات «جيه بي مورغان» أن عوائد السندات أصبحت أعلى من عائد الأرباح على مؤشر «ستاندرد آند بورز 500»، ما يجعل أدوات الدخل الثابت أكثر تنافسية مع الأسهم ويعقد قرارات تخصيص الأصول.

وقال سوليفان إن ارتفاع العوائد يجعل توزيع الأموال بين الأسهم والسندات أكثر تعقيداً، خصوصاً مع ارتفاع تقييمات الأسهم، بينما يؤدي ارتفاع تكلفة رأس المال إلى زيادة الضغط على أسهم التكنولوجيا والنمو.

هل تحل المشكلة؟

تختلف قراءة المؤسسات المالية لأثر التدخل، لكن القاسم المشترك هو أن إعادة الشراء تستطيع دعم السيولة وتهدئة منحنى العائد، من دون أن تكون بديلاً عن معالجة العجز وحجم الاقتراض.

وقال محللا «جيه بي مورغان» جاي باري وجيسون هانتر إن عمليات إعادة الشراء قد تعالج أعراض الضغط أكثر مما تعالج أسبابه، وحذرا من أن غياب ضبط مالي حقيقي قد يدفع المستثمرين إلى طلب علاوة أجل أعلى، ما يرفع العوائد طويلة الأجل.

وقالت «بي سي إيه ريسيرتش» إن أثر عمليات إعادة الشراء قد يكون محدوداً، بينما رأت «نيوبرغر بيرمان» أن التحرك يوفر دعماً للسيولة لكنه لا يغير العوامل الأساسية التي دفعت العوائد طويلة الأجل إلى الارتفاع.

متداولون في بورصة نيويورك، الولايات المتحدة الأميركية، 1 يونيو 2026
متداولون في بورصة نيويورك، الولايات المتحدة الأميركية، 1 يونيو 2026المصدر: «رويترز»

التدخل له ثمن

ويرى الاقتصاديون لدى بنك «آي إن جي» أن زيادة عمليات إعادة الشراء قد تخفف الضغط على الطرف الطويل من المنحنى، لكنها قد تنقله إلى الآجال القصيرة إذا اضطرت الخزانة إلى زيادة إصدار أذونات الخزانة لتمويل العمليات.

وقال رئيس استراتيجية العملات في «إيه إن جي»، بادرَايك غارفي، في مذكرة: «هذه المفاضلة تصبح أكثر أهمية إذا ظلت أسعار الفائدة والتضخم مرتفعين، لأن الاعتماد الأكبر على الدين قصير الأجل يزيد حساسية تكلفة خدمة الدين لأسعار الفائدة».

معادلة أصعب

تظل عمليات الخزانة محدودة مقارنة بحجم سوق سندات الخزانة الأميركية، الذي يتجاوز 30 تريليون دولار، وباحتياجات الحكومة من التمويل، بينما يتجاوز الدين الأميركي 40 تريليون دولار، بحسب «آي إن جي».

ويرى مركز «مجلس العلاقات الخارجية» للأبحاث أن محاولات الاقتصادات المتقدمة الحد من ارتفاع عوائد السندات لن تكون مستدامة على الأرجح من دون تغيير في السياسات أو تباطؤ اقتصادي كبير.

قال المجلس: «الحل الحقيقي سيكون بالأساس مرتبطاً بالسياسة المالية والاقتصادية الأوسع وليس بإدارة السوق وحدها». 

أخبار ذات صلة

متداولون في بورصة نيويورك، الولايات المتحدة الأميركية، 24 مارس 2026.

الأسهم تختنق بين النفط والسندات.. هل يبدأ تصحيح الأسواق؟

كارثة مؤجلة؟

قالت «بي سي إيه ريسيرتش»: «تضع أزمة السندات الأميركية واشنطن أمام معادلة لا يمكن حلها بالكامل عبر عمليات إعادة الشراء، فالخزانة تستطيع التأثير في السيولة وهيكل آجال الدين، لكنها لا تستطيع من خلال هذه الأداة إلغاء العجز أو خلق طلب دائم على الإصدارات الجديدة».

ويرى «جيه بي مورغان» أن المشكلة الأوسع تتمثل في تراكم ديون حكومية وشركاتية ضخمة، بينما تضيف شركات الذكاء الاصطناعي مئات المليارات من الدولارات إلى المنافسة على رأس المال، ما يجعل العوائد أداة التسعير الأساسية للتوازن بين العرض والطلب.

ولهذا فإن السؤال الحقيقي لم يعد ما إذا كانت واشنطن قادرة على شراء السندات، بل ما إذا كانت قادرة على شراء الوقت من دون أن ترفع تكلفة التأجيل.

قال محللو «بي سي إيه ريسيرتش»: «إذا استمر الدين في الصعود وتراجع الطلب الهيكلي على الخزانة واشتدت منافسة الشركات على رأس المال، فقد تتحول الراحة التي اشترتها واشنطن اليوم إلى فاتورة أكبر في سوق السندات غداً».

logo
اشترك في نشرتنا الإلكترونية
تابعونا على
تحميل تطبيق الهاتف