التضخم يتباطأ أكثر من التوقعات في 2025
توقعات بهبوط الليرة إلى 52 بنهاية 2026

جاءت بيانات التضخم في تركيا بنهاية ديسمبر الماضي، لتحمل مزيداً من المعاناة لليرة التركية، إذ أظهرت البيانات تباطؤاً يفوق التوقعات في مؤشر أسعار المستهلكين، ما يوفر لصناع السياسة النقدية قدرة على خفض جديد لأسعار الفائدة.
وبعد صدور بيانات التضخم صباح اليوم، سجلت الليرة مستويات تاريخية جديدة مقابل الدولار، بعدما اخترق الدولار مستويات المقاومة عند 43 ليرة للدولار، وذلك مع تزايد التوقعات بخفض العائد على الأصول والسندات التركية.
وكانت الليرة قد تلقت صدمة أخرى مطلع هذا الشهر، حينما فاجأ البنك المركزي التركي الأسواق بخفض أسعار الفائدة بأكثر من التوقعات، وهو الخفض الرابع على التوالي والسادس خلال عام 2025.
في ظل استمرار السياسة التيسيريه، يتزايد خطر نزوح رؤوس الأموال قصيرة الأجل من السوق التركية، مع تراجع جاذبية العائد الحقيقي، ما يُبقي الليرة تحت الضغط في عام 2026، ما لم يطرأ تحوّل واضح في مسار السياسة النقدية أو في تدفقات الاستثمار الأجنبي.
ومع اتساع العجز التجاري وتراجع العائد الحقيقي، تبدو الليرة التركية أمام اختبار يزداد صعوبة في العام المقبل، إذ إن أي تحسّن مستدام سيبقى رهين عودة تدفقات رؤوس الأموال الأجنبية، أو إعادة ضبط السياسة النقدية بما يحدّ من هشاشة العملة أمام الصدمات الخارجية.
أظهرت بيانات المعهد الإحصائي التركي (تركستات) أن مؤشر أسعار المستهلك انخفض إلى 30.89% في ديسمبر، بانخفاض عن 31.07% في نوفمبر، دون توقعات أن يبلغ معدل التضخم السنوي 31% ومعدل التضخم الشهري 0.98% الشهر الماضي.
من بين مجموعات الإنفاق الرئيسية الثلاث ذات الوزن الأكبر في سلة مؤشر أسعار المستهلك، شهدت المواد الغذائية والمشروبات غير الكحولية زيادة سنوية بنسبة 28.31%، وارتفعت تكاليف النقل بنسبة 28.44%، بينما قفزت نفقات السكن بنسبة 49.45%.
وأفادت هيئة الإحصاء التركية بأن المعدل الشهري ارتفع بشكل طفيف إلى 0.89%، وكان كلا المعدلين أقل بقليل من التوقعات، كما أظهرت البيانات أن مؤشر أسعار المنتجين المحليين ارتفع بنسبة 0.75% على أساس شهري في ديسمبر، مما أدى إلى زيادة سنوية قدرها 27.67%.
في حين أصدرت غرفة تجارة إسطنبول (İTO) بياناتها الخاصة في 2 يناير، مشيرةً إلى ارتفاع أسعار التجزئة بنسبة 1.23% في ديسمبر مقارنةً بالشهر السابق. وعلى أساس سنوي، بلغ معدل التضخم في أسعار التجزئة بالمدينة 37.68%.
ارتفع سعر صرف الدولار الأميركي مقابل الليرة التركية بشكل مطرد خلال الأعوام الأربعة الماضية، مما يعكس ضعف الليرة التركية المستمر مقابل الدولار الأميركي.
أغلق الزوج قرب مستوى 8 ليرة / دولار في سبتمبر 2021، ليمر بقفزات تاريخية متجاوزًا 30 ليرة/ دولار في أوائل عام 2024، واختتم ذلك العام عند حوالي 35.51 ليرة دولار.
استمر الاتجاه الصعودي في عام 2025. تجاوز سعر صرف الدولار الأميركي مقابل الليرة التركية مستوى 36 في فبراير، وتخطى مستوى 40 بحلول أواخر يونيو، ووصل إلى ما يقارب 42.56 بحلول أوائل الخريف.
في نهاية ديسمبر 2025، تداول الزوج عند حوالي 42.9587، ليسجل الدولار ارتفاعاً بنسبة 22% تقريباً منذ بداية العام، ونحو 82% فوق مستواه قبل 4 أعوام، وذلك استناداً إلى أسعار الإغلاق.
يتوقع صندوق النقد الدولي أن يظل التضخم في خانة العشرات على المدى المتوسط، ويشير إلى أن سياسة سعر الصرف يجب أن تعطي الأولوية للحد من التقلبات المفرطة بدلاً من استهداف مستوى محدد.
كما يسلط الصندوق الضوء على استمرار الدولرة ومخاطر سيولة العملات الأجنبية، ويُنظر إلى السياسة النقدية المتشددة وزيادة مرونة سعر الصرف على أنهما أمران مهمان لإعادة ترسيخ توقعات التضخم وتقليل الحاجة إلى التدخل في سوق الصرف الأجنبي خلال فترات تغير شهية المخاطرة.
ومن المتوقع أن يبقى التضخم في منتصف نطاق 30% في عام 2025 قبل أن يبدأ بالانخفاض، في حين يبقى ارتفاع التضخم والأوضاع المالية العالمية من المخاطر الرئيسية التي تؤثر على تسعير الأصول التركية، بما في ذلك سعر الصرف.
ويسهم خفض الفائدة في تخفيف تكلفة الاقتراض مؤقتًا، ومع تباطؤ التضخم تحصل الأسواق على إشارة بأن السياسة التيسيرية مستمرة، مما يعزز الضغوط على الليرة ويفتح مجالاً لمزيد من التدهور.
وبهذا تتحول تحركات الليرة من استجابة ظرفية للبيانات إلى مسار ضغط ممتد، تحكمه فجوة العائد الحقيقي واختلال ميزان الثقة، أكثر مما تحكمه تقلبات قصيرة الأجل.
في تقرير حديث، توقع خبراء منصة «لونغ فوركاست» أن سعر صرف الدولار الأميركي مقابل الليرة التركية سيبلغ حوالي 43.17 ليرة بحلول نهاية عام 2025.
في حين توقع خبراء «لونغ فوركاست» أن يتجاوز زوج الدولار / ليرة مستويات 52 ليرة بحلول ديسمبر 2026، مما يعني استمرار ضعف الليرة على المدى المتوسط.
عزا خبراء «لونغ فوركاست» التوقعات إلى تتبع الاتجاهات وأنماط الأسعار التاريخية، بدلاً من التحليل الكلي التقديري، وذلك في إطار تفاعل بين السياسة النقدية المحلية، والتقدم المحرز في خفض التضخم، ومستوى الإقبال العالمي على المخاطرة.
أسفرت نقاشات لجنة السياسة النقدية في البنك المركزي التركي خلال اجتماع الشهر الماضي عن خفض أسعار الفائدة بواقع 150 نقطة أساس إلى مستويات 38%، مقابل توقعات بخفض قدره 100 نقطة أساس فقط.
وكان البنك قد رفع سعر الفائدة في أبريل الماضي إلى 46%، منهياً بذلك دورة التيسير التي بدأت في ديسمبر، بعد اضطرابات في الأسواق أعقبت اعتقال رئيس بلدية إسطنبول، أكرم إمام أوغلو، أبرز منافسي الرئيس رجب طيب أردوغان.
ومع استقرار الأوضاع نسبيًا، عاد البنك مرة أخرى إلى سياسته التيسيريه، ليخفض الفائدة في أربعة اجتماعات متتالية بدءاً من يوليو الماضي وحتى اجتماع هذا الشهر.
وأسفرت هذه التخفيضات عن تراجع سعر الفائدة من 46% إلى 38%، أي بواقع 800 نقطة أساس، وهو ما انعكس بشكل مباشر على أداء الليرة التركية.
إذا استمرت السياسات التيسيرية وانحسرت تدفقات الاستثمار الأجنبي، فقد تستمر الضغوط على الليرة حتى منتصف 2026، مع تأثير مباشر على التضخم وأسعار الفائدة وأسواق المال التركية.