ارتفعت الصادرات إلى تايلاند وبنغلاديش وباكستان ومصر 45% منذ سبتمبر

في الوقت الذي تتقاطع فيه المصالح الاقتصادية مع التوترات الجيوسياسية بين الولايات المتحدة والصين، وجد مزارعو فول الصويا الأميركيون أنفسهم مجدداً في قلب الصراع التجاري بين أكبر اقتصادين في العالم.
فبعد أيام فقط من إعلان إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن تقديم قرض بقيمة 20 مليار دولار لدعم الأرجنتين تحت قيادة الرئيس خافيير ميلي، المعروف بتوجهاته التحررية الاقتصادية، وقّعت الصين صفقة ضخمة لشراء فول الصويا من بوينس آيرس. هذه الصفقة هزّت الأسواق العالمية، إذ ضغطت على أسعار فول الصويا الأميركي ورفعت من قيمة العملة الأرجنتينية.
وبينما تتصاعد المواجهة التجارية بين واشنطن وبكين، بحسب تقرير لصحيفة «وول ستريت جورنال»، وجد المزارعون الأميركيون أنفسهم مجدداً في قلب الصراع. فمحصول فول الصويا، الذي يُعد أحد أعمدة الصادرات الزراعية الأميركية، تحوّل إلى ورقة تفاوض تستخدمها القوى الكبرى ضمن معادلة اقتصادية تتجاوز حدود المزارع والأسواق المحلية إلى موازين النفوذ العالمي.
أعلن الرئيس ترامب ونظيره الصيني شي جينبينغ الأسبوع الماضي في سيول عن اتفاق مبدئي لتخفيف التوترات التجارية. بموجب الاتفاق، ستخفض الولايات المتحدة بعض الرسوم الجمركية على السلع الصينية مقابل تقليص بكين صادراتها من المواد الكيميائية المستخدمة في تصنيع عقار الفنتانيل.
في المقابل، تعهدت الصين بشراء 12 مليون طن متري من فول الصويا الأميركي خلال موسم الحصاد الحالي، و25 مليون طن سنوياً على مدى السنوات الثلاث المقبلة، وفقاً لوزير الخزانة سكوت بيسنت.
وقال بيسنت في تصريحات رسمية: «لقد انتهى زمن استخدام المزارعين الأميركيين كورقة ضغط سياسية. يجب أن تزدهر الزراعة الأميركية من جديد».
مع ذلك، يبدي كثير من المنتجين شكوكاً حيال جدية الالتزامات الصينية، إذ إن حجم المشتريات المتفق عليه يقل عن المتوسط التاريخي البالغ نحو 29 مليون طن سنوياً خلال العقد الماضي. ويقول المزارع ديفيد إيسرمان من ولاية إلينوي: «الجميع يستخدمنا كأدوات تفاوض. حتى الرئيس ترامب أغضب مزارعي فول الصويا رغم أن معظمنا يؤيده».
ارتفعت أسعار فول الصويا قليلاً منذ الإعلان عن الصفقة التجارية، لكنها لا تزال دون مستوى الربحية. ففي محطات الحبوب في ولايات مثل داكوتا الشمالية، تباع حبوب الصويا بأقل من عشرة دولارات للبوشل، وهو سعر لا يغطي تكاليف الإنتاج.
ويؤكد المزارع مارفن يودر من ولاية إلينوي أنه يضطر إلى نقل محصوله لمسافة تزيد على 80 ميلاً إلى ميناء على نهر الميسيسيبي قرب سانت لويس للحصول على سعر أفضل بنحو 40 سنتاً للبوشل. لكنه يضيف: «هذا حل مؤقت لا يعالج المشكلة الحقيقية، فالمنافسة من البرازيل هي التحدي الأكبر».
فبفضل الأراضي الشاسعة والعمالة المنخفضة التكلفة، أصبحت البرازيل أكبر منافس للولايات المتحدة في تصدير فول الصويا، مستفيدة من استثمارات صينية ضخمة في الموانئ وسلاسل الإمداد الزراعية. ويقول يودر: «البرازيل تتوسع كل عام، ولديها مزارعون أكفاء وتكلفة إنتاج منخفضة، وهذا ما يصعب المنافسة».
يُعد فول الصويا سلعة استراتيجية في العلاقات التجارية بين واشنطن وبكين. فمنذ ثمانينيات القرن الماضي، أسهم الطلب الصيني المتزايد على اللحوم في تحويل فول الصويا إلى ثاني أكبر محصول زراعي في الولايات المتحدة. لكن المشهد تغيّر خلال ولاية ترامب الأولى عندما أدت الرسوم الجمركية المتبادلة إلى تراجع كبير في صادرات فول الصويا الأميركي إلى الصين.
ولتخفيف آثار الخسائر، خصصت الحكومة الأميركية نحو 23 مليار دولار دعماً للمزارعين بين عامي 2018 و2019. في المقابل، كثّفت الصين استثماراتها في أميركا الجنوبية، وخصوصاً في البرازيل، حيث موّلت مشاريع ضخمة لبناء موانئ ومنشآت لتخزين وتصدير الحبوب.
بفضل تلك الاستثمارات، أصبحت البرازيل اليوم المورّد الأول لفول الصويا إلى الصين، مستحوذة على نحو 70% من وارداتها العام الماضي، أي ضعف حصتها قبل 15 عاماً. غير أن هذا التوسع أثار انتقادات دولية بسبب تسارُع وتيرة إزالة الغابات في منطقة الأمازون، وهو ما وصفه مسؤولون أميركيون بأنه «ميزة تجارية غير عادلة».
في خطوة مفاجئة، ألغت الحكومة الأرجنتينية في سبتمبر الماضي ضريبة تصدير بنسبة 26% على المنتجات الزراعية حتى بلوغ مبيعات بقيمة 7 مليارات دولار. وخلال أيام، باعت الأرجنتين معظم هذا المبلغ إلى الصين على شكل شحنات من فول الصويا.
الخطوة التي هدفت إلى دعم العملة المحلية «البيزو» جاءت بعد أيام فقط من القرض الأميركي الموجه لبوينس آيرس، ما أثار غضب المزارعين الأميركيين الذين اعتبروها «طعنة في الظهر».
وساهمت شركات أميركية كبرى مثل «كارجيل» (Cargill) و«آرتشر دانيلز ميدلاند» (Archer Daniels Midland) في تنفيذ الصفقات، مستفيدة من تجارة الحبوب العالمية رغم تضرر المنتجين المحليين. ودافع الرئيس التنفيذي لـ«كارجيل»، بريان سايكس، عن استراتيجيتهم قائلاً: «نعتبر أميركا الجنوبية استثماراً استراتيجياً. لقد ضخّينا أكثر من 1.5 مليار دولار في مشاريع لتكرير ومعالجة فول الصويا في البرازيل خلال السنوات الخمس الماضية».
رحبت منظمات المزارعين الأميركيين باتفاق التجارة الأخير مع الصين، معتبرة أنه يمثل خطوة إيجابية نحو تخفيف الضغوط التي يواجهها القطاع الزراعي واستعادة جزء من الاستقرار المفقود بعد سنوات من التقلبات في الأسواق العالمية.
لكن خبراء الاقتصاد يحذرون من أن العلاقات التجارية بين البلدين لا تزال عرضة للتوتر. وقال كبير محللي السلع في شركة «ستون إكس» (StoneX) للاستشارات المالية، آرلان سودرمان: «هناك تفاؤل حذر، لكن الخلافات الجوهرية بين واشنطن وبكين لم تُحل بعد».
في المقابل، يسعى المصدّرون الأميركيون إلى تنويع أسواقهم خارج الصين. فقد ارتفعت الصادرات إلى دول مثل تايلاند وبنغلاديش وباكستان ومصر بنحو 45% منذ سبتمبر، وفقاً لـ«مجلس تصدير فول الصويا الأميركي» (USSEC). ومع ذلك، تظل هذه الزيادة غير كافية لتعويض فقدان السوق الصينية التي تبقى الأكثر تأثيراً في تسعير السوق العالمية.
ويختتم المزارع غريغ آموندسون من داكوتا الشمالية بقوله: «الاتفاق قد يجلب بعض الاستقرار، لكن الحقيقة أن هناك فائضاً عالمياً من فول الصويا. الأسعار منخفضة جداً، والمشكلة بنيوية وليست آنية».