
قد يجد التحوّل الأخضر في المغرب رافعة جديدة في محصول غير متوقّع: الفستق. فهذه الثمرة التي لطالما زيّنت موائد الشرق القديم بوصفها رمزاً للفخامة، تفرض اليوم حضورها كمورد استراتيجي قادر على دعم التنمية الزراعية المستدامة، وتنويع القاعدة التصديرية، وتعزيز فرص العمل في المناطق الريفية.
وبحسب الباحثة مانويلا غوتييريز، من جامعة تورونتو والمتطوّعة في «مؤسسة الأطلس الكبير» (High Atlas Foundation) بمراكش، يشكّل الفستق فرصة واعدة لاقتصاد المغرب الأخضر، لما يجمعه من قيمة تجارية مرتفعة وقدرة بيئية استثنائية على التكيّف مع التغيّرات المناخية ودعم التنمية الريفية المستدامة.
يُعدّ الفستق من أقدم المحاصيل التي عرفها الإنسان، إذ ازدهر لآلاف السنين في البيئات الجافة وشبه الجافة، محافظاً على مكانته بوصفه محصولاً قادراً على التكيّف مع أقسى الظروف المناخية. واليوم، يشهد هذا المحصول انتعاشاً عالمياً مدفوعاً بالتحوّل نحو الأنماط الغذائية الصحية والطلب المتزايد على الزيوت الطبيعية والبروتينات النباتية.
وتُقدّر قيمة تجارة الفستق العالمية بأكثر من 4 مليارات دولار سنوياً، في حين تستحوذ إيران والولايات المتحدة على ما يزيد عن 70% من الإنتاج العالمي. ومع تشابه الخصائص المناخية في المغرب مع تلك السائدة في هذين البلدين، تبرز أمام المملكة فرصة حقيقية لتحويل الفستق إلى مورد اقتصادي ذي بُعد بيئي مزدوج، يجمع بين الجدوى التجارية والاستدامة المناخية.
تُعدّ أشجار الفستق من أكثر المحاصيل قدرةً على التكيّف مع الظروف المناخية القاسية، إذ تتحمّل الجفاف وتنمو في تربة فقيرة الموارد، ما يجعلها خياراً مثالياً للمناطق شبه الجافة في المغرب، ولا سيّما في جبال الأطلس والجهة الشرقية ووادي سوس.
وعلى خلاف العديد من المحاصيل النقدية التقليدية، لا تحتاج أشجار الفستق إلى كميات كبيرة من المياه، بل تُسهم في تثبيت التربة والحد من زحف التصحر، الأمر الذي يجعلها جزءاً أساسياً من توجهات «الاستراتيجية الوطنية للتنمية المستدامة» و«مخطط الجيل الأخضر 2030 – 2020»، الراميين إلى تحقيق توازن بين النمو الاقتصادي وحماية الموارد البيئية.
وفي هذا الإطار، تمثّل مبادرة «مؤسسة الأطلس الكبير» لزراعة 10,000 شجرة فستق نموذجاً تطبيقياً واعداً، يُبرز الجدوى الاقتصادية والبيئية للمحصول، ويُسهم في ترسيخ خبرة محلية متنامية في الزراعة المستدامة وإدارة الموارد الطبيعية.
رغم أن شجرة الفستق تحتاج ما بين خمس إلى سبع سنوات لتصل إلى مرحلة الإنتاج الكامل، فإن عائدها طويل الأمد يُعد من بين الأعلى في فئة المحاصيل الجافة. ففي المزارع الناضجة، يمكن أن تتجاوز الغلة 1.5 طن للهكتار الواحد، بينما تتراوح الأسعار العالمية للتصدير بين 7,000 و10,000 دولار للطن وفقاً للجودة ومستوى المعالجة.
غير أن القيمة الحقيقية لهذا المحصول لا تكمن في الإنتاج الزراعي وحده، بل في سلسلة التصنيع المحلي التي تشمل التقشير، والتحميص، والتعبئة، والتسويق، وهي مراحل تضاعف هامش الربح وتفتح آفاقاً جديدة لتشغيل اليد العاملة المحلية، خصوصاً في المناطق الريفية.
وإلى جانب ذلك، يمكن للمغرب أن يستفيد من الطلب المتزايد على زيت الفستق الفاخر المستخدم في الصناعات الغذائية الراقية ومستحضرات التجميل الطبيعية، في تجربة واعدة قد تعيد نجاح زيت الأركان المغربي، الذي أصبح علامة مميزة في الأسواق العالمية.
حتى مخلفات الفستق تحمل قيمة مضافة؛ فقشوره الغنية بالألياف النباتية يمكن تحويلها إلى وقود حيوي أو أسمدة عضوية أو مواد بناء صديقة للبيئة. وتشير دراسات حديثة إلى أن دمج هذه القشور في الطوب الطيني يعزز من خصائص العزل الحراري للمباني ويُسهم في خفض استهلاك الطاقة، وهو ابتكار واعد في قطاع البناء الذي يستحوذ على أكثر من 30% من إجمالي استهلاك الطاقة في المغرب.
يشهد الطلب العالمي على الفستق نمواً متسارعاً يفوق العرض القائم، مدفوعاً بتزايد الوعي الغذائي واتساع الأسواق الاستهلاكية في آسيا وأوروبا. وتُفاقم التقلبات المناخية هذا الخلل في التوازن، إذ تؤثر على إنتاج الدول المصدّرة الكبرى، مما يفتح المجال أمام منتجين جدد لدخول السوق العالمية.
في هذا السياق، تبرز المغرب كمنافس واعد يتمتع بموقع جغرافي استراتيجي قريب من الأسواق الأوروبية، وتكاليف إنتاجية منخفضة، إضافة إلى شبكة من اتفاقيات التجارة الحرة التي تمنحه أفضلية في النفاذ إلى الأسواق الإقليمية والعالمية.
كما يمكن لتكامل الجهود بين القطاعين العام والخاص، وتعبئة التمويل الأخضر عبر آليات مثل صندوق المناخ الأخضر، أن يوفّر قاعدة متينة للاستثمار في البنية التحتية الزراعية وسلاسل التصنيع الغذائي. مثل هذه الشراكات من شأنها تسريع وتيرة التحول نحو اقتصاد زراعي تنافسي ومستدام، يُسهم في تنويع الصادرات وتعزيز الأمن الغذائي الوطني.
رغم الإمكانات الواعدة التي يحملها قطاع الفستق في المغرب، إلا أنه يواجه جملة من التحديات الهيكلية، من أبرزها طول فترة النضوج قبل الإنتاج التجاري، وضعف التمويل الموجّه للقطاع، إضافة إلى نقص التجهيزات الحديثة في المناطق الريفية وغياب منظومات متكاملة للبحث الزراعي والإرشاد التقني.
ولمواجهة هذه التحديات، تبرز الحاجة إلى سياسات حكومية محفّزة تعزز الاستثمار وتقلّص المخاطر على المزارعين. ويشمل ذلك توسيع نطاق القروض الزراعية الصغيرة، وتفعيل برامج التأمين ضد المخاطر المناخية، إلى جانب تقديم حوافز تصديرية للشركات العاملة في سلاسل القيمة المرتبطة بالفستق.
كما أن إطلاق علامة تجارية وطنية «الفستق المغربي» سيُسهم في تعزيز ثقة الأسواق الخارجية، خصوصاً الأوروبية والخليجية، عبر ضمان الجودة وتوحيد المعايير، بما يرسّخ مكانة المغرب كمصدر موثوق لمنتجات زراعية عالية القيمة ومطابقة للمعايير الدولية.
أكدت الباحثة أنّ تطوير قطاع الفستق وفق رؤية استراتيجية مستدامة يمكن أن يحوّله من مجرد محصول تجريبي إلى ركيزة محورية في الاقتصاد الأخضر المغربي.
فدمج هذا القطاع في منظومة الزراعة المستدامة والتصنيع المحلي وإعادة تدوير المخلفات الزراعية، من شأنه أن يتيح للمغرب تحقيق عوائد اقتصادية ملموسة، مع الحفاظ على موارده الطبيعية وتعزيز رفاه المجتمعات الريفية.
وفي جوهر الأمر، قد تغدو حبة الفستق رمزاً لقدرة المغرب على التكيّف والابتكار في وجه التحديات المناخية، ودليلاً عملياً على إمكانية تحويل الضغوط البيئية إلى فرص للنمو الذكي والمستدام.