
يواجه البنك المركزي الأوروبي خطر الانجرار إلى قلب أزمة سوق السندات الفرنسية، مع ارتفاع العوائد واتساع علاوة المخاطر إلى أعلى مستوياتها منذ أزمة الديون الأوروبية، ما يزيد الضغوط على صناع السياسة النقدية للتدخل وتهدئة الأسواق.
وارتفع الفارق بين عوائد السندات الحكومية الفرنسية ونظيرتها الألمانية بصورة حادة، ليصل إلى أعلى مستوى منذ 2011، مع لجوء المستثمرين إلى السندات الألمانية باعتبارها ملاذاً أكثر أماناً، وسط مخاوف متزايدة بشأن المالية العامة الفرنسية وقدرة الحكومة على خفض عجز الموازنة، وفقاً لـ«بلومبرغ».
وأدى ذلك إلى تصاعد التكهنات بشأن المستوى الذي يجب أن تصل إليه اضطرابات السوق قبل أن يلجأ البنك المركزي الأوروبي إلى أداة لم يستخدمها حتى الآن، وهي أداة حماية انتقال السياسة النقدية، المصممة للتدخل في أسواق السندات عند حدوث تحركات غير مبررة أو غير منظمة تعرقل انتقال السياسة النقدية بين دول منطقة اليورو.
أنشأ البنك المركزي الأوروبي هذه الأداة في 2022، في أعقاب اضطرابات قوية في سوق السندات الإيطالية، وكان الهدف من وجودها منع تفاقم الضغوط في أسواق الديون السيادية.
لكن الوضع الفرنسي يضع البنك أمام معضلة أكثر تعقيداً، لأن ارتفاع عوائد السندات لا يرتبط فقط بالمضاربات أو اضطرابات السوق، وإنما أيضاً بمخاوف حقيقية بشأن العجز والديون وحالة الجمود السياسي والمالي في فرنسا.
وقال بيت كريستيانسن، كبير الاستراتيجيين في «دانسكي بنك»، إن اتساع فروق العوائد مبرر بالنظر إلى الوضع المالي وعدم اليقين السياسي.
وأضاف أنه إذا بدأت هذه التحركات تعرقل انتقال السياسة النقدية، فإنها تصبح قضية يتعين على البنك المركزي الأوروبي التعامل معها، أما إذا لم يحدث ذلك، فيمكن ترك السوق لتسعير المخاطر دون تدخل.
ويخشى البنك المركزي الأوروبي أيضاً أن يؤدي التدخل إلى إعطاء انطباع بأنه يساعد الحكومات على تمويل عجز الموازنات. وبعدما أكد مسؤولوه مراراً أن أداة حماية انتقال السياسة النقدية مخصصة للتعامل مع تحركات السوق «غير المبررة»، فإن استخدامها لتخفيف المخاوف المرتبطة بالديون الفرنسية قد يعرض مصداقية البنك للخطر.
وتزداد المعضلة تعقيداً مع اقتراب التضخم في منطقة اليورو من 4% نتيجة تداعيات الصراع في الشرق الأوسط وارتفاع تكاليف الطاقة.
وكان البنك المركزي الأوروبي قد أوقف مشترياته من السندات بعدما قفز التضخم في أعقاب الحرب الروسية الأوكرانية، ولذلك فإن العودة إلى شراء السندات الآن، بما يؤدي إلى تخفيف شروط التمويل، قد تتعارض مع اتجاه السياسة النقدية الحالية.
ورفع المركزي الأوروبي أسعار الفائدة في يونيو وسبتمبر لمواجهة الضغوط التضخمية.
ويرى بعض المحللين أن وقف سياسة التشديد الكمي قد يمثل الخطوة الأولى لتهدئة أسواق السندات، إذ يسمح البنك حالياً بانخفاض محفظته من السندات تدريجياً مع استحقاق الأوراق المالية التي يمتلكها دون إعادة استثمار كامل قيمتها.
وقالت آنا بواتا، رئيسة قسم الاقتصاد في «أليانز تريد»، إن هناك مجالاً للتحرك في هذا الجانب، مشيرة إلى أن تأثير التشديد الكمي بالنسبة إلى فرنسا يبلغ نحو 5 مليارات يورو شهرياً، بما يعادل 20% من الإصدارات الجديدة، وهي نسبة وصفتها بأنها غير ضئيلة.
ويرى مستثمرون آخرون أن المركزي الأوروبي قد يجد نفسه مضطراً في النهاية إلى استخدام أدواته إذا استمرت اضطرابات السوق.
وقالت ماريون لو مورديك، كبيرة مسؤولي الاستثمار في أدوات الدخل الثابت لدى «فيديليتي إنترناشيونال»، إن البنك يتابع التطورات من كثب ويتواصل باستمرار مع المشاركين في السوق، بما في ذلك صناديق التحوط، لفهم طبيعة التحركات والاستعداد لمنع حدوث اضطرابات كبيرة.
لكن صناع السياسة النقدية لم يقدموا حتى الآن أي إشارة واضحة إلى الاستعداد للتدخل.
وقال رئيس البنك المركزي الألماني يواخيم ناغل، رداً على سؤال بشأن احتمال استخدام أداة حماية انتقال السياسة النقدية، إن تركيز البنك المركزي الأوروبي ينصب على تحقيق هدف التضخم البالغ 2%، وليس على مستويات معينة لفروق عوائد السندات.
وكانت رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد قد قللت في سبتمبر من المخاوف المتعلقة بفرنسا، عندما كانت فروق العوائد أقل مما هي عليه حالياً.
وقالت حينها إن البنك لا يرى تحركات غير منظمة أو توترات في الأسواق، معتبرة أن ارتفاع العوائد جزء من حركة عالمية تؤثر في أسواق السندات، خصوصاً آجال الاستحقاق الطويلة.
لكن استمرار ارتفاع العوائد الفرنسية قد يجعل الحفاظ على هذا الموقف أكثر صعوبة، خصوصاً إذا بدأت الضغوط تنتقل إلى دول أخرى ذات مستويات مرتفعة من الديون.
وشهدت إيطاليا أيضاً ارتفاعاً في فارق عوائد سنداتها مقارنة بالسندات الألمانية، وإن ظلت المستويات أقل بكثير من الذروات المسجلة خلال أزمات سابقة.
ويرى محللو «بلومبرغ إيكونوميكس» أن قرار تفعيل أداة حماية انتقال السياسة النقدية سيعتمد في النهاية على تقييم المركزي الأوروبي لما إذا كانت تحركات السوق غير مبررة وتشكل تهديداً خطيراً لانتقال السياسة النقدية.
وأشاروا إلى أن احتمالات التدخل ستزداد إذا انتقلت الضغوط من الديون الفرنسية إلى سندات دول أخرى في منطقة اليورو أو إلى فئات أصول أخرى، لكنهم أكدوا أن الأدلة على حدوث مثل هذه العدوى لا تزال محدودة حتى الآن.
وفي مؤشر على القلق من اتساع الضغوط، عدلت حكومة رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني خطط الموازنة في اللحظات الأخيرة هذا الأسبوع، وخفضت الإنفاق الدفاعي للمساعدة على إبقاء العجز دون سقف الاتحاد الأوروبي البالغ 3% من الناتج المحلي الإجمالي.
وفي المقابل، تخطط فرنسا لخفض عجز موازنتها إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي في 2027، مقابل 5.4% في 2026. وقال محافظ البنك المركزي الفنلندي أولي رين إن ارتفاع تكاليف الاقتراض وتزايد احتياجات الإنفاق ومحدودية الحيز المالي قد تزيد مخاطر الديون السيادية وتكشف نقاط ضعف في أجزاء أخرى من النظام المالي.
وأكد أن هذه المخاطر تزيد الحاجة إلى مواصلة ضبط المالية العامة. كما حذر محافظ البنك المركزي الفرنسي إيمانويل مولان من أن البنك المركزي الأوروبي لا يمتلك «حلاً سحرياً» للمشكلات التي تواجه ثاني أكبر اقتصاد في منطقة اليورو.
لكن إذا استمرت اضطرابات السندات الفرنسية في التصاعد، فمن المرجح أن تتزايد الضغوط على البنك المركزي الأوروبي لاتخاذ إجراء، خصوصاً أن أداة حماية انتقال السياسة النقدية لم تُختبر عملياً حتى الآن.
وقال إيكو سيفرت، محلل الديون السيادية لدى «سكوب ريتينغز»، إن الأداة لم يسبق اختبارها، لكنها «قوية للغاية من الناحية النظرية».