إسبانيا ترفض استغلال مجالها الجوي في الحرب
الرئيس الأميركي يوجه بقطع فوري للعلاقات التجارية

في أحدث تطور في خلاف الرئيس الأميركي دونالد ترامب مع إسبانيا، وجّه ترامب بوقف أشكال العلاقات التجارية كافة مع مدريد، متجاوزاً ذلك أيضاً لتشمل التبادل التجاري والدبلوماسي، فهل كانت حرب إيران السبب؟
للمرة الثانية العام الجاري، يصدر فيها ترامب تعليمات للخزانة بوقف التجارة مع إسبانيا، لرفضها التقيد بهدف الحلف الجديد للإنفاق الدفاعي البالغ 5%، في حين استمرت التجارة بين البلدين بشكل طبيعي بعد توعده للمرة الأولى في مارس.
يرى محللون أن التهديدات التجارية قد تُستخدم في هذه المرحلة كورقة ضغط سياسية أكثر من كونها قراراً اقتصادياً نهائياً، خصوصاً أن قطع العلاقات التجارية مع دولة عضو في الاتحاد الأوروبي قد يفتح مواجهة أوسع مع بروكسل، ويزيد حالة عدم اليقين التي تواجه الشركات والمستثمرين.
ويواجه ترامب عقبة أن التعامل مع الاتحاد الأوروبي يجب أن يكون ككتلة واحدة، ولا يجوز استثناء دولة واحدة من الدول الأعضاء، في حين يرجح محللون أن يلجأ ترامب إلى قانون الصلاحيات الاقتصادية الطارئة الدولية لفرض حظر كامل أو جزئي على الواردات من إسبانيا.
كان الإنفاق الدفاعي وعدم استغلال مجالها الجوي خلال الحرب مع إيران سبباً وراء أحدث موجة غضب تجاري من الرئيس الأميركي على إسبانيا.
قال ترامب في مؤتمر صحفي: «إسبانيا شريك سيئ للغاية في حلف الناتو، إنهم لا يشاركون، إنهم لا يدفعون. لا أريد أي علاقة مع إسبانيا. يجب قطع جميع التجارة مع إسبانيا»، واصفاً إياها بالشريك الفظيع.
وأبدى ترامب مراراً استياءه حيال إسبانيا بعد رفض رئيس الوزراء بيدرو سانتشيث السماح للولايات المتحدة باستخدام مجالها الجوي أو القواعد الموجودة على أراضيها في الحرب مع إيران.
كما قال ترامب: «لا أريد إجراء أي تجارة معهم»، والتفت إلى سكوت بيسنت وزير الخزانة الأميركي، الذي رد قائلاً: «نعم، سيدي».
تابع ترامب: «لا أريد أي علاقة مع إسبانيا، اقطعوا جميع أشكال التجارة مع إسبانيا، من فضلكم، بما في ذلك الزيارات، حسناً».
يمثل هذا أحدث تطور في خلاف ترامب مع إسبانيا بشأن إنفاقها الدفاعي. وإسبانيا هي العضو الوحيد في التحالف العسكري الذي لم يلتزم العام الماضي بإنفاق 5% من ناتجه المحلي الإجمالي على الدفاع بحلول عام 2035.
يأتي التهديد بعد عام من تعهد الحلفاء الأوروبيين بزيادة الإنفاق الدفاعي بأكثر من الضعف، في وقت حصلت فيه إسبانيا على اتفاقية استثناء، كونها الدولة الوحيدة في جنوب أوروبا التي رفضت الالتزام بالأهداف المرفوعة.
أنفقت إسبانيا 2.1% من ناتجها المحلي الإجمالي على الدفاع في عام 2025، بزيادة على 1.4% في عام 2021، وفقاً لبيانات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، لكنها لا تزال متأخرة عن العديد من الدول الأوروبية.
في حين أعلن مكتب رئيس الوزراء الإسباني أنه يعتبر تصريحات ترامب أمراً طبيعياً، وأشار المكتب إلى أن العلاقات الثنائية بين الولايات المتحدة وإسبانيا تعود بالنفع على كلا البلدين في مجالي التجارة والدفاع.
تعكس تحركات الأصول الإسبانية أن المستثمرين لا يسعرون فقط احتمال فرض قيود تجارية، بل أيضاً مخاطر اتساع الخلاف بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين، في وقت تواجه فيه الأسواق بالفعل ضغوطاً من التوترات الجيوسياسية العالمية.
يرى محللون أن التهديدات التجارية قد تُستخدم في هذه المرحلة كورقة ضغط سياسية أكثر من كونها قراراً اقتصادياً نهائياً، خصوصاً أن قطع العلاقات التجارية مع دولة عضو في الاتحاد الأوروبي قد يفتح مواجهة أوسع مع بروكسل، ويزيد حالة عدم اليقين التي تواجه الشركات والمستثمرين.
رغم أن تهديدات ترامب بقطع التجارة مع إسبانيا تحمل طابعاً سياسياً، فإن تنفيذها عملياً قد يكون أكثر تعقيداً، نظراً إلى تشابك المصالح الاقتصادية بين البلدين.
وتُعد الولايات المتحدة أحد أهم الشركاء التجاريين لإسبانيا خارج الاتحاد الأوروبي، إذ تعتمد شركات إسبانية كبرى على السوق الأميركي في قطاعات مثل الطاقة، السيارات، الصناعات الدوائية، والأغذية.
قالت «بلاك روك»، أكبر شركة لإدارة الأصول في العالم، في تقريرها نصف السنوي: «إسبانيا هي البلد المفضل للاستثمار في الأسهم بسبب وتيرة نموها الاقتصادي التي تجاوزت معظم الدول المتقدمة».
ويرى محللون أن إسبانيا أقل تأثراً بالقرارات التجارية الأميركية مقارنة باقتصادات أوروبية أخرى، وإسبانيا أكبر دولة مصدرة لزيت الزيتون في العالم، كما تصدر قطع غيار السيارات والصلب والمواد الكيميائية إلى الولايات المتحدة.
وأشار مكتب سانتشيث إلى أن إسبانيا تشهد عجزاً تجارياً مع الولايات المتحدة، وأن العلاقات الاقتصادية تأسست على يد شركات خاصة وليس الحكومات، مضيفاً أن قواعد الجمارك والتجارة في الاتحاد الأوروبي تمنع استثناء دول أعضاء معينة.
رغم تصاعد الخلاف السياسي بين واشنطن ومدريد، فإن العلاقات الاقتصادية بين البلدين تجعل أي قطيعة تجارية كاملة أمراً معقداً ومكلفاً للطرفين.
تُعد الولايات المتحدة من أكبر الشركاء التجاريين لإسبانيا خارج الاتحاد الأوروبي، إذ تتجاوز قيمة التبادل التجاري بين البلدين عشرات مليارات الدولارات سنوياً، فيما تستثمر الشركات الأميركية في قطاعات حيوية داخل إسبانيا، من الطاقة والصناعة إلى التكنولوجيا والخدمات.
في المقابل، تعتمد شركات إسبانية كبرى على السوق الأميركية باعتبارها إحدى أهم وجهاتها خارج أوروبا، خصوصاً في قطاعات الأغذية، والسيارات، والأدوية، والطاقة المتجددة.
ويرى محللون أن أي إجراءات تجارية واسعة النطاق لن تؤثر في مدريد فقط، بل قد ترفع التكاليف على الشركات والمستهلكين الأميركيين أيضاً، ما يجعل استخدام التجارة كسلاح تفاوضي أكثر صعوبة من مجرد إصدار تهديد سياسي.