عودة اضطرابات الملاحة في البحر الأحمر تعطّل تعافي قناة السويس

بينما تأهبت مصر لبدء جني ثمار الإصلاح الاقتصادي مع بداية العام المالي الجديد، مطلع يوليو المقبل، اندلعت أزمة إقليمية جديدة جراء هجوم إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية على طهران، السبت.
وتوقع خبراء تحدثوا مع «إرم بزنس» أن تواجه مصر ضغوطاً جديدة خلال الفترة المقبلة حال تطور الأحداث الإقليمية، خاصة مع موجة التخارج الحادة للأموال الساخنة.
كما رجّح الخبراء أن يظل سعر الصرف في مصر تحت الضغط طالما استمرت الأحداث في التصاعد بين جميع الأطراف.
وتوقع الخبراء تأثر عوائد قناة السويس حال استمرار تصاعد الأحداث الإقليمية، وتضرر الملاحة في البحر الأحمر، بجانب ارتفاع اسعار السلع الأساسية والنفط.
إلى ذلك أعلنت الحكومة المصرية تفعيل غرفة الأزمات بمجلس الوزراء لمتابعة مستجدات الموقف على مدار الساعة، وإصدار تقارير متابعة للموقف، لعرضها على رئيس مجلس الوزراء، للإطلاع على مجريات الموقف، وتطورات الأحداث، وسيناريوهات الأزمة، والوقوف على تأثيراتها على دول المنطقة، والداخل المصري.
كما أعلنت الحكومة أن مخزون السلع الأساسية في مصر آمن ويكفي عدة شهور، وأن الاحتياطيات من المواد البترولية مستقرة أيضاً عند مستويات آمنة، مع انتظام تأمين الإمدادات لتلك المواد بتنوع منتجاتها لمختلف الاستخدامات، وبخاصة القطاعات الانتاجية.
من جانبه، قال الخبير الاقتصادي محمد عبد الحكيم، إن الأسواق الناشئة، وفي مقدمتها مصر، تمرّ بحالة ارتباك حاد عقب اندلاع المواجهات العسكرية المباشرة في المنطقة، وهو ما يضع صانع السياسة النقدية في البلاد أمام اختبار صعب فيما يتعلق بإدارة تدفقات «الأموال الساخنة» والحفاظ على استقرار سعر الصرف.
عبد الحكيم أوضح لـ«إرم بزنس» أن السوق المصرية تشهد بالفعل موجة تخارج سريعة لرؤوس الأموال الأجنبية من أدوات الدين الحكومية.
«المستثمر الأجنبي في هذه الأدوات يبحث دائماً عن االعائد المرتفع مقابل المخاطرة المحسوبة، ومع تحول المنطقة إلى ساحة صراع عسكري فإن الصناديق الاستثمارية الكبرى تتجه للتخارج سريعاً وتحويل الحصيلة إلى الذهب أو السندات الأميركية»، وفق عبد الحكيم.
وأشار إلى أن التدفقات الجديدة من الأموال الساخنة مرشحة للتوقف مؤقتاً لحين اتضاح المشهد الجيوسياسي، وهو ما قد يحرم السوق المصرية من مصدر دولاري مهم.
اعتبر عبد الحكيم أن تأثير الأحداث الإقليمية على سعر صرف الجنيه أمام الدولار سيكون مباشراً ومزدوجاً، حيث ستشهد الفترة المقبلة ضغطاً على العملة بسبب زيادة الطلب المفاجئ، جراء خروج الأموال الساخنة، مما يخلق فجوة مؤقتة ترفع سعر الدولار.
وتوقع تأثير التوترات العسكرية في البحر الأحمر والمتوسط على إيرادات قناة السويس وحركة السياحة الوافدة، وهو مما يقلل المعروض الدولاري في السوق.
بجانب ذلك، قال عبد الحكيم إن أوقات الحروب ترفع طلب الأفراد والشركات على الدولار كنوع من التحوط، وهو ما قد يدفع الجنيه للتراجع لمستويات قد تتجاوز حاجز الـ50 جنيهاً في المدى القصير لامتصاص الصدمة.
بدوره قال الخبير الاقتصادي محمد أنيس، إن تداعيات التوترات العسكرية على اقتصاد مصر ستكون في مجملها سلبية خلال الفترة المقبلة.
أنيس أوضح أن أولى الضغوط تتمثل في استمرار اضطراب حركة الملاحة بالبحر الأحمر، ما يُبعد سيناريو تعافي إيرادات قناة السويس في الأجل القريب.
«تصاعد التوترات العسكرية سيجعل عودة تدفقات قناة السويس إلى مستوياتها الطبيعية قبل نهاية عام 2026 أمراً غير وارد، مع ارتفاع المخاطر المتعلقة بالمرور عبر باب المندب»، وفق أنيس.
وتوقع أن تظل إيرادات قناة السويس في حدود 3 إلى 4 مليارات دولار بنهاية 2026، مقارنة بمستهدفات سابقة قاربت 10 مليارات دولار سنوياً.
وأشار أنيس إلى أن هناك ضغوطاً إضافية ناتجة عن ارتفاع أسعار النفط والسلع الأساسية، لاسيما أن مصر مستورد صافٍ للنفط والغاز والقمح والذرة والفول، ما ينعكس سلباً على الميزان التجاري وميزان المدفوعات.
إلى ذلك، قال عبد الحكيم إنه على الرغم من قتامة المشهد، إلا أن الوضع الاقتصادي لمصر في 2026 يختلف عن أزمات سابقة لعدة أسباب، من بينها امتلاك البنك المركزي لاحتياطيات نقدية تجاوزت الـ 46 مليار دولار.
وأضاف أن التدفقات النقدية الضخمة التي دخلت من مشروعات كبرى (مثل رأس الحكمة وغيرها) وفرت سيولة دولارية ساهمت في تقليل الاعتماد الكلي على الأموال الساخنة كعنصر وحيد للسيولة.
ورأى أن اتباع مصر سياسة سعر صرف مرن يسمح للجنيه بالانخفاض ثم الارتفاع مرة أخرى حسب العرض والطلب، مما يمنع ظهور «السوق السوداء»، بشكل فج كما كان يحدث سابقاً.
"مصر تشهد بالفعل تخارجاً حاداً للأموال الساخنة، وسعر الصرف سيظل تحت الضغط طالما استمرت أصوات المدافع، لكن قدرة الدولة على إدارة السيولة الدولارية المتاحة من الاستثمارات المباشرة ستكون هي الفيصل في منع انزلاق العملة لمستويات غير مسبوقة"، وفق عبد الحكيم.