جدول أعمال واسع يشمل التجارة وتايوان وحرب إيران
نتائج القمة قد تكون لها تداعيات كبيرة سياسياً وتجارياً

قمة يرتقبها العالم، واشنطن وبكين، ليس لكونها بين رئيسي أكبر قوتين اقتصاديتين في العالم، بل لأنها تأتي في وقت وصلت فيه مفاوضات الولايات المتحدة وإيران حليفة بكين، إلى حائط مسدود، تتزايد معه التكهنات بعودة اندلاع الصراع.
كما تعد الصين أكبر مستورد للنفط الإيراني والخليجي معاً، ما يمنحها نفوذاً استثنائياً في أي تسوية مرتبطة بمضيق هرمز أو تدفقات الطاقة.
ويجتمع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، والرئيس الصيني شي جين بينغ، في بكين، يوم الخميس، في ظل وجود عدد من الملفات الساخنة على الطاولة، في أول زيارة لرئيس أميركي إلى الصين منذ عام 2017.
ويشمل جدول أعمال القمة، التي ستعقد يومي 14 و15 من هذا الشهر، التجارة والتكنولوجيا، وضوابط تصدير العناصر الأرضية النادرة، وتايوان، والحرب الإيرانية، والذكاء الاصطناعي.
والسؤال الأهم الآن.. هل تستفيد واشنطن وبكين من التعاون أم تتجهان إلى المواجهة؟ وبين هذا وذاك، تقف اقتصادات العالم في ترقب لنتائج اجتماع قد يخرج بقرارات تغير وجه الاقتصاد والسياسة في العالم، وربما يعود ترامب من بكين بخفي حنين.
أدى قرار الصين بتعليق صادرات مجموعة واسعة من العناصر الأرضية النادرة، وحظر أشباه الموصلات من شركة «نيكسبيريا» الصينية، إلى اضطراب سلاسل التوريد الأساسية لشركات صناعة السيارات العالمية، مما ترتبت عليه تداعيات سياسية واقتصادية في جميع أنحاء أوروبا واليابان وكوريا الجنوبية.
كما أن بكين تضطلع بدور بارز يمكن أن تمارسه في حرب إيران، من خلال الضغط على طهران لإنهاء أزمة إغلاق مضيق هرمز المسؤول عن عبور 20% من إمدادات الطاقة العالمية، والذي أدى إلى ارتفاع أسعار النفط، وأجج المخاوف من عودة التضخم، وتعليق خفض أسعار الفائدة، ما قد يؤدي إلى تباطؤ نمو الاقتصاد العالمي.
ويخشى المستثمرون أن تتحول القمة من فرصة لاحتواء التصعيد إلى ساحة مساومات مفتوحة بين الطاقة والتجارة وتايوان، قال الزميل البارز في «معهد بيترسون للاقتصاد الدولي»، تشاد باون، في مذكرة: «الجميع تقريباً لديهم مصلحة في نتيجة هذا الاجتماع».
أضاف باون: «قادة العالم الآخرون والأطراف المعنية سيولون اهتماماً بالغاً على الأرجح، حتى لو لم يكونوا حاضرين عند اتخاذ القرارات التي قد تكون لها عواقب بعيدة المدى عليهم».
قبيل انعقاد القمة، صعّد الجانبان الضغط، حيث اتهمت واشنطن بكين بشن حملات واسعة النطاق لسرقة تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي الأميركية.
في المقابل، أمرت الصين الشركات بعدم الامتثال للعقوبات الأميركية المفروضة على النفط الإيراني، فضلاً عن استضافتها وزير الخارجية الإيراني في زيارة رسمية.
وقال أستاذ الاقتصاد بجامعة كورنيل، إسوار براساد، في مذكرة: «سيكون لمسار العلاقة المستقبلي بين القطبين، سواء نحو التعاون أو المواجهة، تداعيات هائلة على الاقتصاد العالمي».
وأضاف براساد: «يأمل العالم بأسره أن يتوصل الزعيمان إلى اتفاق بشأن مجموعة فرعية على الأقل من القضايا، وأن يجدا سبلًا لمنع أي تصعيد إضافي للتوترات بشأن القضايا المتبقية».
أوضح براساد أن القمة المثيرة للجدل، التي تأتي في وقت تتشابك فيه الملفات، قد تطيل أمد التقلبات الاقتصادية والجيوسياسية، مما يشل التجارة والنمو العالميين.
وتأجل الاجتماع، الذي كان مقرراً في الأصل في مارس، بعد انخراط واشنطن في حربها ضد إيران، والتي تسببت في أخطر أزمة طاقة في التاريخ، وفقاً لوكالة الطاقة الدولية.
وأشار ترامب إلى نيته دعوة شي جين بينغ لزيارة واشنطن في وقت لاحق من هذا العام، وهو ما سيمثل أول زيارة للزعيم الصيني إلى واشنطن منذ عشر سنوات.
من المتوقع أن يكون الأسبوع بأكمله حافلاً بالأحداث، إذ يجتمع نائب رئيس الوزراء الصيني هي ليفنغ ووزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت في كوريا الجنوبية يوم الأربعاء لمناقشة القضايا الاقتصادية والتجارية، قبل قمة بكين.
وقال المدير الإداري في شركة «تينيو للاستشارات» المتخصصة في أبحاث المخاطر السياسية، غابرييل ويلداو: «إنهم قد يسعون لضمان عدم عرقلة التصعيدات الأخيرة، بما في ذلك العقوبات الأميركية على مصافي التكرير الصينية التي تشتري النفط الخام الإيراني، والإجراءات المضادة غير المسبوقة التي اتخذتها بكين، للهدنة التي تم التوصل إليها في كوريا الجنوبية العام الماضي».
صرحت كل من الولايات المتحدة والصين بأن تايوان ستكون على رأس جدول الأعمال، وتفيد التقارير بأن بكين ضغطت على إدارة ترامب لتقليص التزاماتها الأمنية، ومراجعة السياسة الأميركية الرسمية تجاه الجزيرة.
وقالت المديرة الإدارية لبرنامج منطقة المحيطين الهندي والهادئ في «صندوق مارشال الألماني» بالولايات المتحدة، بوني غلاسر: «أي تراجع في الخطاب من جانب ترامب، حتى لو كان غامضاً، سيكون النتيجة الأكثر زعزعة للاستقرار للقمة».
وأضافت غلاسر: «صفقة ضمنية أو صريحة يبدو فيها أن واشنطن تتنازل عن مجال نفوذ لبكين على تايوان مقابل تنازلات في أماكن أخرى، قد تشجع الصين على اتخاذ خطوات أكثر حزماً لتقويض استقلال تايوان».
قال الباحث الزائر الأول في معهد «إيسس إيشاك»، ستيفن أولسون: «حكومات آسيا وأوروبا ستراقب عن كثب أي تحول كبير في الرسوم الجمركية الأميركية على البضائع الصينية مقارنة بتلك المفروضة على صادراتها».
وأضاف أولسون في مذكرة: «إذا انخفضت مستويات التعريفات الجمركية على الصادرات الصينية، فإن المبرر التجاري لنقل الإنتاج من الصين إلى دول مثل فيتنام سينخفض أيضاً».
يُعد مضيق هرمز أيضاً قضية رئيسية للمنطقة، في وقت تحملت فيه دول جنوب شرق آسيا، التي تعتمد اعتماداً كبيراً على نفط الخليج، العبء الأكبر من صدمة الطاقة الناجمة عن الصراع في الشرق الأوسط.
وإذا توصل ترامب وشي إلى اتفاق بشأن جهد مشترك لإعادة فتح المضيق، فقد يوفر ذلك راحة قصيرة الأجل لأزمة الطاقة، على الرغم من أن بعض المحللين يقولون إن مثل هذه النتيجة لا تزال بعيدة المنال.
وقال كبير الاستراتيجيين في شركة «بي سي إيه للأبحاث»، مات جيرتكين: «صفقة محتملة في مجال الطاقة، توافق فيها بكين على شراء المزيد من النفط والغاز الطبيعي الأميركي، قد تدفع أسعار السلع العالمية إلى الارتفاع».
وأضاف جيرتكين في مذكرة: «أي تقدم في مجال التجارة، بما في ذلك التزامات الصين بالاستثمار المباشر في الاقتصاد الأميركي، قد يؤدي إلى تراجع حصة السوق اليابانية والأوروبية».
ويرى محللون أن أي تفاهم بين واشنطن وبكين حول المضيق قد يتحول فوراً إلى إعادة تسعير شاملة للطاقة والتضخم والأسواق.
نما الاقتصاد الصيني بوتيرة أسرع من المتوقع في الأشهر الثلاثة الأولى من العام، حتى مع شعور دول العالم بتأثير الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران.
وارتفع الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 5% مقابل توقعات بلغت 4.8%، في أول إصدار رسمي لأرقام الناتج المحلي الإجمالي منذ أن خفضت بكين هدفها السنوي للنمو الاقتصادي الشهر الماضي إلى نطاق يتراوح بين 4.5% و5%، وهو أدنى هدف للتوسع منذ عام 1991.
ويرى محللون أن العالم لا يراقب مجرد قمة سياسية، بل اجتماعاً قد يحدد أسعار النفط والفائدة والتجارة العالمية لسنوات. وفي عالم تحكمه الطاقة أكثر من السياسة، قد تتحول قمة ترامب وشي من لقاء دبلوماسي إلى لحظة تعيد رسم خريطة الاقتصاد العالمي بالكامل.