
يهدد الارتفاع الحاد في أسعار الفائدة بإجهاض التعافي الهش لسوق العقارات التجارية العالمية، بعدما دفع ارتفاع تكاليف الاقتراض المشترين والبائعين إلى إعادة تقييم الأصول، وسط موجة من المفاوضات لخفض أسعار الصفقات المتفق عليها، أو تأجيل إتمامها بالكامل.
ووفقاً لتقرير نشرته صحيفة «فايننشال تايمز»، كانت التوقعات تشير إلى انتعاش نشاط الصفقات العقارية خلال العام الجاري، بعد فترة من الركود أعقبت الارتفاع الكبير في أسعار الفائدة عام 2022، إلا أن الضغوط التضخمية الناجمة عن الحرب في الشرق الأوسط وارتفاع تكاليف التمويل أعادت حالة عدم اليقين إلى القطاع.
وقال رونالد ديكرمان، رئيس شركة الاستثمار العقاري «ماديسون إنترناشونال ريالتي»، إن النتيجة المنطقية الوحيدة للتطورات الحالية هي اضطرار أسعار العقارات إلى الانخفاض.
وأوضح أن المستثمر الذي اتفق على شراء أصل عقاري قبل 3 أشهر، ثم فوجئ بارتفاع أسعار الفائدة بمقدار 85 نقطة أساس، سيضطر بطبيعة الحال إلى إعادة النظر في السعر الذي وافق على دفعه.
يتأثر القطاع العقاري بصورة مباشرة بتحركات عوائد السندات طويلة الأجل، نظراً لاعتماد مشاريع التطوير والاستثمار العقاري بدرجة كبيرة على التمويل بالدين، ما يجعل ارتفاع تكاليف الاقتراض عاملاً ضاغطاً على تقييمات الأصول.
ومنذ اندلاع الحرب في إيران، قفزت عوائد السندات الحكومية إلى مستويات تعد من الأعلى منذ العقد الأول من الألفية، ما رفع تكاليف التمويل في الأسواق العالمية.
وتجاوز العائد على سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات مستوى 5%، مقارنة بنحو 4% في نهاية فبراير، مسجلاً أعلى مستوياته منذ عام 2002 خلال أكتوبر الجاري.
وفي بريطانيا، ارتفع العائد على السندات الحكومية لأجل 10 سنوات إلى 5.53%، وهو أعلى مستوى منذ عام 2007.
وتؤدي هذه الارتفاعات إلى تقليص جاذبية الاستثمارات العقارية مقارنة بالسندات، كما تزيد الأعباء التمويلية على المستثمرين، ما يدفعهم للمطالبة بخصومات تعوض ارتفاع تكلفة رأس المال.
كشف عدد من المستثمرين العقاريين للصحيفة أنهم يسعون حالياً إلى إعادة التفاوض على أسعار صفقات قائمة، بهدف الحصول على تخفيضات بنسب مئوية من خانة الآحاد.
وأفادت إحدى الشركات بأنها تحاول الحصول على خصم بنسبة 5% على صفقة لشراء أصل صناعي بقيمة 100 مليون دولار، جرى الاتفاق عليها قبل 3 أشهر، ما يعادل خفض السعر بنحو 5 ملايين دولار.
ولم تقتصر الضغوط على الصفقات الكبيرة، إذ شهدت عملية بيع مستودع في بريطانيا تقديم عروض في الجولة الثانية أقل من تلك المقدمة في الجولة الأولى، في مؤشر على تراجع استعداد المستثمرين لدفع الأسعار السابقة.
وقال ديفيد تيرنر، الشريك المؤسس لشركة الاستشارات العقارية «دي تي آر إي»، إن معظم المشترين الذين توصلوا إلى اتفاقات خلال الصيف ويحتاجون إلى تمويل مصرفي لإتمامها يحاولون الآن إعادة التفاوض.
وأضاف أن عدداً كبيراً من العملاء يطالبون بتخفيض الأسعار، ما يضع البائعين أمام قرارات صعبة بشأن قبول الخصومات أو الانسحاب من الصفقات.
وفي السياق ذاته، حذر تشارلي غرين، الرئيس التنفيذي لشركة «وورك سبيس» المتخصصة في تأجير المكاتب المرنة، من أن عمليات بيع مجموعة من أصول الشركة قد تستغرق وقتاً أطول، نتيجة ارتفاع أسعار الفائدة وتقديم المشترين عروضاً تعتبرها الشركة أقل من القيمة المناسبة.
وأكد أن الشركة ستواصل اتباع سياسة منضبطة في بيع الأصول، ولن تمضي في أي صفقة إلا إذا كان السعر يحقق أقصى قيمة ممكنة للمساهمين.
تعكس التطورات الحالية تدهوراً ملحوظاً في معنويات المستثمرين العقاريين. ووصف مصرفي استثماري متخصص في القطاع الأجواء خلال مؤتمر عقاري عقد في ميونيخ مطلع أكتوبر بأنها شديدة التشاؤم، مشيراً إلى أن المشاركين أبدوا قلقاً عميقاً بشأن مستقبل السوق.
وأضاف أن السؤال الذي يشغل المستثمرين لم يعد ما إذا كانت بعض الصفقات ستنهار، بل متى سيحدث ذلك.
وقارن مسؤولون في القطاع الوضع الحالي بأزمة عام 2022، عندما أدى الارتفاع الحاد في أسعار الفائدة، عقب الحرب في أوكرانيا واضطرابات السياسة المالية البريطانية، إلى تصحيح مؤلم في أسعار العقارات.
لكنهم أشاروا إلى أن الأزمة الحالية تبدو أكثر تعقيداً، في ظل غياب حلول قريبة للضغوط التي تواجه الاقتصاد العالمي.
وأكد المصرفي أن طرح صفقات عقارية جديدة للبيع بات محدوداً للغاية، لأن المستثمرين لا يرغبون في دخول السوق وسط هذه الظروف المضطربة.
رغم الصورة القاتمة، لا يزال بعض المستثمرين يتوقعون نمواً قوياً في إيجارات العقارات السكنية والمكاتب عالية الجودة، ما قد يساعد على تعويض جزء من تأثير ارتفاع أسعار الفائدة.
كما يرى مسؤولون في القطاع أن إعادة تسعير الأصول الجارية حالياً لم تصل بعد إلى حجم التصحيح الذي شهدته الأسواق عام 2022.
وقال كريس بيلغريم، رئيس أسواق رأس المال لدى شركة الاستشارات العقارية «أفيسون يونغ»، إن حالة عدم اليقين العالمية تدفع المستثمرين إلى الاحتفاظ بأصولهم لفترات أطول، مع التركيز على تجديدها وتطويرها وتحسين أدائها التأجيري، بدلاً من بيعها في ظروف غير مواتية.
وفي قطاع الخدمات اللوجستية، أوضح روبرت تايلور، رئيس الأبحاث لدى «دي تي آر إي»، أن معظم المالكين يفضلون تأجيل البيع بدلاً من تسجيل خسائر فعلية.
وأضاف أن عدداً محدوداً فقط من المستثمرين مستعد للبيع ما لم يكن مضطراً، وهو ما يفسر انخفاض أحجام التداول في السوق.
امتدت تداعيات ارتفاع أسعار الفائدة إلى مشاريع التطوير العقاري الجديدة، التي لا تزال تعاني ضعف النشاط بسبب ارتفاع تكاليف التمويل وعدم وضوح التوقعات الاقتصادية.
وبحسب بيانات شركة «كوستار غروب»، ارتفعت المساحات المكتبية التي بدأ تشييدها في بريطانيا خلال الربع الثالث من عام 2026 إلى نحو 1.3 مليون قدم مربعة، بزيادة 23% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي. لكن على أساس سنوي متحرك، لا يزال حجم المشاريع المكتبية الجديدة قريباً من أدنى مستوياته خلال 15 عاماً.
وأظهرت البيانات أيضاً انخفاض مبيعات المباني المكتبية البريطانية إلى أدنى مستوى في عام خلال الربع الثالث، فيما ارتفع متوسط الوقت اللازم لإتمام بيع المباني المكتبية إلى أعلى مستوياته منذ عام 2021.
وتشير هذه التطورات إلى أن سوق العقارات التجارية العالمية تواجه مرحلة جديدة من الضغوط، إذ بات استمرار التعافي مرهوناً باستقرار عوائد السندات وتكاليف الاقتراض، وقدرة المستثمرين والبائعين على التوصل إلى تقييمات جديدة تتناسب مع البيئة المالية الحالية.