استقبل المغرب حوالي 15 مليون سائح هذا العام
معدل البطالة العام حوالي 13%

برز المغرب كأحد أكثر الاقتصادات دينامية في إفريقيا، بفضل بنيته التحتية المتطورة، وقاعدته الصناعية المتنامية، وشراكاته الاستراتيجية العابرة للقارات.
فمنذ عام 2020، جذب المغرب نحو 40 مليار دولار من الاستثمارات الصناعية الجديدة، ليصبح من أبرز الوجهات العالمية لرؤوس الأموال الصناعية. وقد استقطب قطاع السيارات وحده أكثر من 8 مليارات دولار منذ عام 2012، مما جعله يتصدر قائمة الموردين الرئيسيين لأوروبا بالسيارات وقطع الغيار، متقدماً على الصين واليابان.
وتقوم هذه الإنجازات على شبكة بنية تحتية تُعدّ من بين الأفضل في القارة. فـمجمع «ميناء طنجة المتوسط»، الذي يحتل مرتبة ضمن أكبر خمسة موانئ في العالم، يشكل حجر الزاوية في «الرؤية الأطلسية الملكية» (RAI) التي تهدف إلى جعل المملكة محوراً تجارياً يربط إفريقيا بأوروبا وبالفضاء الأطلسي الأوسع.
تواكب ذلك مشروعات موازية مثل توسعة «ميناء الدار البيضاء» و«خطة تحديث السكك الحديدية الوطنية» بقيمة 9.2 مليارات دولار، في إطار رؤية أشمل لدمج المغرب في شرايين التجارة العالمية.
ولا يقتصر التحديث على النقل فقط؛ فـالرباط تمضي قدماً في أجندتها الرقمية، إذ تهدف مبادرتا «المغرب الرقمي 2030» و«المغرب الرقمي من أجل التنمية المستدامة» (D4SD) إلى تحويل الإدارة العمومية وجعل البلاد مركزاً تكنولوجياً قارياً. وقد احتل المغرب المرتبة 90 عالمياً والرابعة إفريقياً في «مؤشر الأمم المتحدة لتنمية الحكومة الإلكترونية» (EGDI) لعام 2024، ما يعكس تقدماً ملموساً في مجال الحوكمة الرقمية.
أما السياحة، فقد استعادت عافيتها بقوة، إذ استقبلت المملكة حوالي 15 مليون سائح حتى سبتمبر من عام 2025. كما تسارعت وتيرة الاستثمار في قطاعات التعدين والطاقة المتجددة واللوجستيات، مدفوعة بالموقع الاستراتيجي للمغرب واستقراره النسبي.
وراء هذا التسارع الاقتصادي، تطفو تحديات اجتماعية واقتصادية عميقة. فخلال العام الماضي، شهدت البلاد احتجاجات شبابية عكست تزايد الإحباط بين جيلٍ يرى الفجوة تتسع بين النمو المادي وفرص الارتقاء الاجتماعي. وتحت مظلة حركة رقمية تُعرف بـ«جيل زد 212»، عبّر المحتجون عن رفضهم لتفاقم البطالة وتزايد الفوارق رغم مظاهر التحديث.
تُظهر الأرقام حجم الأزمة: معدل البطالة العام حوالي 13%، ويقفز إلى أكثر من 35% بين الشباب، ويقارب 40% بين خريجي الجامعات في بعض المناطق. ويعمل ثلثا الشباب في القطاع غير الرسمي، بينما لا يزاول نحو ثلثهم أي تعليم أو عمل. ووفق استطلاع «أفروباروميتر» (Afrobarometer)، فإن أكثر من نصف المغاربة دون 35 عاماً يفكرون في الهجرة.
ويكشف هذا التباين بين النمو القائم على البنية التحتية وضعف الشمول الاجتماعي عن فجوة هيكلية في النموذج الاقتصادي المغربي، فهو يولد صناعات كثيفة رأس المال، لكنها محدودة القدرة على إيجاد فرص العمل. ومنذ عام 2011، لم يتجاوز معدل النمو 4%، وهو مستوى غير كافٍ لاستيعاب الطفرة السكانية في صفوف الشباب.
ويتركز التحول الاقتصادي في الغالب على محور الدار البيضاء–الرباط–القنيطرة، حيث تتجمع المناطق الصناعية والاستثمارات الأجنبية، في حين تبقى المناطق الداخلية والجنوبية متأخرة نسبياً من حيث الخدمات والمشاريع. وقد أفرز هذا الواقع ما يسميه المراقبون «مغرباً بسرعتين»، ساحلاً مندمجاً في الاقتصاد العالمي، وداخلاً يعاني من البطالة وضعف التنمية.
يشير تقرير لـ«البنك الدولي» إلى أن المغرب يقف على أعتاب مرحلة جديدة من الإصلاح الاقتصادي، قوامها تحسين مناخ الأعمال وتعزيز تنافسية المؤسسات المحلية. فبينما تركزت الاستثمارات الكبرى في قطاعات السيارات والطاقة، لا يزال نفاذ المؤسسات الصغيرة والمتوسطة إلى التمويل والأسواق محدوداً.
ويرى البنك أن تطوير مناخ الاستثمار يتطلب إصلاحات هيكلية تشمل تبسيط الإجراءات الإدارية، وتفعيل اللامركزية الاقتصادية، وتعزيز الشفافية في المشتريات العمومية. ويُقدّر أن رفع كفاءة الإطار التنظيمي قد يزيد حجم الاستثمار الخاص بنسبة 4 نقاط مئوية من الناتج المحلي ويوفر 200 ألف فرصة عمل جديدة سنوياً بحلول 2030.
ويمثل ذلك انتقالاً تدريجياً من «اقتصاد المشاريع الكبرى» إلى «اقتصاد الفرص المتوسطة»، بما يتيح توسيع قاعدة الاستفادة من النمو وضمان توزيعٍ أكثر عدالة لثماره.
دعا تقرير لـ«صندوق النقد الدولي» الرباط إلى توسيع القاعدة الضريبية، وإعادة توجيه الدعم العام من المؤسسات غير المنتجة نحو التعليم والتشغيل والبنية الاجتماعية. فالإيرادات الضريبية الحالية تمثل نحو 26% من الناتج المحلي الإجمالي، لكنها تعتمد بشكل مفرط على الضرائب غير المباشرة، ما يحدّ من العدالة الجبائية.
كما شدد الصندوق على ضرورة خفض عجز الميزانية إلى أقل من 3% بحلول 2027 عبر رقمنة الإدارة الضريبية، ومكافحة التهرب في القطاع غير الرسمي الذي يشغل حوالي 60% من القوى العاملة.
في ظل الجفاف المتكرر وتقلص الموارد المائية، تبرز البيئة كمحور اقتصادي حاسم. فبحسب تقرير لـ«المندوبية السامية للتخطيط» (HCP)، أدّى تراجع الأمطار في موسم 2024–2025 إلى خسارة أكثر من 137 ألف وظيفة زراعية، ورفع معدل البطالة إلى نحو 13.3%. ومع كون الزراعة تشكل نحو 11% من الناتج المحلي وتشغّل ثلث اليد العاملة، فإن أي اضطراب مناخي يتحول مباشرة إلى أزمة اجتماعية.
لمواجهة ذلك، أطلقت الحكومة برنامج «المغرب الأخضر 2.0» ومشاريع تحلية مياه البحر في أكادير والداخلة والدار البيضاء بقيمة 15 مليار درهم، إلى جانب خطط لرفع مساهمة الطاقات المتجددة إلى 52% من مزيج الكهرباء بحلول 2030.
لكن مستقبل المناطق الريفية يعتمد على تنويع الاقتصاد المحلي من الزراعة وحدها إلى الصناعات الغذائية والطاقة النظيفة والسياحة البيئية، اذ تضع هذه التحولات «العدالة المناخية» في قلب السياسة الاقتصادية الجديدة.
يزيد النهج الدبلوماسي المتوازن للمغرب من تعقيد المشهد. فبينما تبقى أوروبا الشريك التجاري الأكبر، شهدت الاستثمارات الصينية ارتفاعاً حاداً، خصوصاً في مجالات السيارات الكهربائية وصناعة البطاريات، مما يعزز تنويع القاعدة الصناعية، لكنه يعزز ارتباط البلاد ببكين.
في الوقت نفسه، يواصل المغرب ترسيخ شراكاته الأمنية والدفاعية مع الولايات المتحدة وحلف الناتو، في إطار سياسة خارجية متعددة الأقطاب تسعى إلى تحقيق التوازن أكثر من الانحياز.
غير أن هذا الانفتاح الواسع يجعل الاقتصاد المغربي عرضة لتقلبات المصالح الدولية، من اضطرابات سلاسل الإمداد الأوروبية إلى الحساسية الغربية تجاه النفوذ الصيني المتزايد.
لا شك أن المغرب قطع شوطاً واسعاً في مسار التحديث الاقتصادي، إذ رسّخ مكانته بين أبرز الاقتصادات الصاعدة في إفريقيا بفضل تنوعه الصناعي، وتطور موانئه وشبكاته اللوجستية، وحضوره الدبلوماسي المتنامي.
ومع ذلك، فإن استمرار تحديات البطالة بين الشباب، والضغوط المناخية والاجتماعية، يشير إلى أن طريق التنمية ما زال يتطلب جهداً متواصلاً لتحقيق التوازن بين النمو والاستدامة.
وإذا كان العقد الماضي قد كُرّس لبناء البنية المادية، فإن العقد المقبل يبدو مهيأً لترسيخ الركائز البشرية والمؤسساتية للنمو الشامل. فالمغرب يمتلك اليوم كل مقومات النجاح، من موقع جغرافي فريد إلى شراكات اقتصادية متنوّعة، ويبقى الرهان الحقيقي في تحويل هذا الزخم إلى تنمية إنتاجية شاملة تُقلِّص الفوارق وتُعزّز التكامل بين الأقاليم.