استمرار صعود النفط سيؤدي إلى ركود تضخمي
البنوك المركزية مضطرة لإعادة تقييم الأوضاع

ارتفعت أسعار النفط بأكبر وتيرة في أكثر من أربعة عقود، لتقترب من مستويات تاريخية، في قفزة تعيد إلى الأذهان صدمات الطاقة الكبرى خلال حرب أكتوبر 1973، والحرب الإيرانية العراقية، وسط مخاوف متزايدة من أن يقود ارتفاع الأسعار إلى موجة جديدة من التضخم العالمي وربما ركود تضخمي.
تحرك أسعار النفط من شأنه أن يغير توقعات البنوك المركزية، مع ارتفاع أسعار الوقود، ما قد يرفع تكاليف إنتاج المصانع ونقل البضائع وأغلب الخدمات، الأمر الذي سيتم تمريره إلى نفقات المستهلكين، وينعكس بالتبعية على نفقات الأسر وتوسع الشركات، وربما يؤدي إلى موجات تسريح.
وإذا استمرت أسعار النفط في الارتفاع، فقد لا تكون الأسواق أمام مجرد صدمة مؤقتة، بل أمام تحول اقتصادي واسع يعيد إلى الأذهان حقبة أزمات الطاقة التي غيرت مسار الاقتصاد العالمي في سبعينيات القرن الماضي.
قال الشريك الإداري في شركة «إس بي آي» لإدارة الأصول، ستيفن إينيس، في مذكرة: «عبرت أهم سلعة في العالم خط روبيكون، ولم تبدأ آثارها إلا في الانتشار، ومن المرجح أن تظهر تداعياتها على كافة الأسواق بدءاً بسوق الأسهم».
خط روبيكون هو مصطلح يشير تاريخياً إلى نهر صغير في إيطاليا عبره يوليوس قيصر متحدياً مجلس الشيوخ، ليصبح رمزاً لاتخاذ قرار حاسم لا رجعة فيه (عبور نقطة اللاعودة).
وأضاف: «تجاوز سعر النفط 100 دولار ليس مجرد ارتفاع في أسعار السلع، بل يصبح بمثابة ضريبة على الاقتصاد العالمي».
وتابع: «عند هذا المستوى، نتوقع عادةً ارتفاعاً في التضخم العالمي بنحو 0.7% وانخفاضاً في النمو بنحو 0.4%. هذا المزيج لا ينذر بأزمة بعد، لكنه ينذر بكلمة يخشاها محافظو البنوك المركزية: الركود التضخمي».
لا يقتصر تأثير ارتفاع أسعار النفط على محطات الوقود فقط، بل يمتد ليشمل أسعار جميع المنتجات تقريباً التي تحتاج إلى النقل، ما يتسبب بارتفاع التضخم، والذي بدوره يؤثر على سياسة مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي.
يأتي ذلك في وقت يواجه فيه «الاحتياطي الفيدرالي» الآن ارتفاعاً محتملاً في التضخم، وهو ما يزيد، إلى جانب تقرير الوظائف المخيب للآمال الصادر يوم الجمعة، من خطر الركود التضخمي، الذي يتميز بارتفاع التضخم وانخفاض النمو الاقتصادي وارتفاع معدلات البطالة.
سيشهد هذا الأسبوع إصدار المزيد من بيانات التضخم، حيث من المقرر صدور مؤشر أسعار المستهلك لشهر فبراير يوم الأربعاء، ومؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي المؤجل لشهر يناير يوم الجمعة.
سيجتمع مسؤولو «الاحتياطي الفيدرالي» لاحقاً لمناقشة أسعار الفائدة في الفترة من 17 إلى 18 مارس، ومن المتوقع على نطاق واسع أن يبقوا أسعار الفائدة دون تغيير.
قال محللو شركة «ويدبوش»: «الصراع، في الوقت الحالي على الأقل، يمثل تقلبات قصيرة الأجل، وليس ضرراً هيكلياً بسوق الأسهم الأميركية».
وأضاف المحللون، بقيادة سيث باشام: «مخاطر السوق تتزايد، وقد يكون خفض التصعيد في الشرق الأوسط والائتمان الخاص ضرورياً لكي يستعيد السوق توازنه».
عادةً ما تؤثر أسعار النفط الخام المرتفعة سلباً على الشركات التي تعتمد بشكل كبير على الوقود والواردات، وفقاً لمحللي بنك «إيه إن زد».
وكتب محللو البنك: «لهذا السبب من المتوقع أن تتحمل أسهم النمو والتكنولوجيا العبء الأكبر من عمليات البيع، والخوف الأكبر أن تستمر الأسعار مرتفعة لفترة طويلة».
كما يرى محللو بنك «أي إن جي» أنه بالنسبة للدول التي تستورد معظم احتياجاتها من الطاقة، قد يشكل ذلك عبئاً إضافياً على المستهلكين والشركات، مما يزيد من مخاطر الركود.
من المتوقع أن يشهد خام غرب تكساس أكبر مكسب يومي منذ أبريل 2020 على الأقل، في ظل إجراءات الإغلاق التي فرضتها جائحة كورونا آنذاك.
وكان خام غرب تكساس سجّل رقماً قياسياً بلغ 145.29 دولار للبرميل في يوليو 2008، في حين اقترب الخام القياسي من مستوى 150 دولاراً للبرميل.
ارتفعت العقود الآجلة لخام برنت لشهر مايو بأكثر من 25% لتصل إلى ذروة قدرها 119.5 دولاراً للبرميل، بحلول الساعة 3:30 بتوقيت غرينتش.
بينما قفزت العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط بنسبة تصل إلى 33% لتصل إلى أعلى مستوى لها خلال اليوم عند 119.84 دولاراً للبرميل.
مع دخول الصراع مع إيران أسبوعه الثاني، واستمرار إغلاق مضيق هرمز أمام ناقلات النفط، يتزايد قلق المحللين والمستثمرين بشأن الآثار طويلة الأجل على الاقتصاد العالمي في حال استمرار تقييد تدفق النفط من الخليج العربي.
وخفضت عدة دول في الشرق الأوسط، من بينها الكويت والعراق، إنتاجها من النفط الخام مع نفاد مساحات التخزين.
قال فلين من مجموعة «برايس فيوتشرز»: «يبدو أن المخاوف من أن يؤدي إغلاق المضيق لفترة من الوقت إلى دفع أسعار النفط إلى 150 دولاراً للبرميل أو أكثر هي القوة الدافعة لما يحدث».
وأضاف: «الهجمات على البنية التحتية الإيرانية خلال عطلة نهاية الأسبوع قد أدت بالفعل إلى هذا الارتفاع، وفي حال استمرار الأوضاع هكذا فقد نشهد كارثة اقتصادية جديدة تمتد تداعياتها إلى كافة الأسواق».