الأسعار تقلص مكاسبها إلى مستويات قرب 100 دولار
الأسواق لا تزال تسعر علاوة مخاطر تداعيات حرب إيران

فقدت أسعار النفط الخام، خلال تعاملات اليوم الاثنين، أكثر من نصف مكاسبها الصباحية التي تجاوزت الـ30%، بعد توارد أنباء بشأن عطاء نادر لـ«أرامكو» السعودية، أكبر شركة منتجة للنفط في العالم.
في التعاملات المبكرة اليوم، ارتفعت أسعار النفط بأكبر وتيرة في أكثر من أربعة عقود، لتقترب من مستويات تاريخية، في قفزة تعيد إلى الأذهان صدمات الطاقة الكبرى خلال حرب أكتوبر 1973 والحرب الإيرانية العراقية.
وتصاعدت حرب إيران، التي دخلت يومها العاشر على التوالي خلال عطلة نهاية الأسبوع، بعد غارات جوية استهدفت منشآت نفطية إيرانية في طهران ومحافظة البرز، في أول غارة من نوعها منذ بدء الصراع مطلع مارس.
واختارت إيران، يوم الأحد، مجتبى خامنئي زعيماً أعلى جديداً للبلاد خلفاً لوالده آية الله علي خامنئي، في إشارة إلى أن التيار المحافظ لا يزال ممسكاً بقوة بزمام السلطة في طهران بعد مرور أسبوع على اندلاع الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل.
يشير هذا السلوك إلى أن سوق النفط يعيش حالياً مرحلة «تسعير المخاطر»، حيث يضيف المتداولون علاوة سعرية تعكس احتمال تعطل الإمدادات من الشرق الأوسط.
وفي مثل هذه الفترات، تميل الصناديق الاستثمارية الكبرى إلى زيادة انكشافها على عقود الطاقة كأداة تحوط ضد الاضطرابات الجيوسياسية، وهو ما قد يضاعف من حدة التقلبات السعرية في المدى القصير حتى في حال عدم حدوث نقص فعلي في الإمدادات.
تواردت أنباء صباح اليوم أن شركة «أرامكو» السعودية طرحت أكثر من أربعة ملايين برميل من النفط الخام في عطاءات نادرة، في ظل تداعيات الصراع الأميركي الإيراني الذي أدى إلى تعطيل الصادرات من الشرق الأوسط.
وفقاً لوثيقة العطاء التي شاركها المتعاملون، فإن موعد التحميل سيكون في الفترة من الـ10 إلى الـ30 من مارس، لكنه ينتظر التأكيد، وتباع الشحنة على أساس التسليم على ظهر السفينة، وهي مخصصة للتصدير إلى آسيا.
يأتي ذلك في وقت تحاول «أرامكو» تحويل مسار بعض صادراتها من النفط الخام عبر ميناء ينبع على البحر الأحمر لتجنب مضيق هرمز، حيث أدى خطر الهجمات الإيرانية إلى توقف حركة الشحن بشكل شبه كامل.
تبرز أهمية مضيق هرمز بوصفه أحد أخطر نقاط الاختناق الاستراتيجية في العالم، إذ بلغ متوسط تدفقات النفط في 2024 نحو 20.3 مليون برميل يومياً، أي ما يعادل 20% من إجمالي الاستهلاك العالمي.
في غضون ذلك، يعدّ خط أنابيب الشرق-الغرب المعروف بـ«بترولاين» ضمن بدائل مضيق هرمز للسعودية، إذ تنقل «أرامكو» الخام من منشآت المنطقة الشرقية إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، ما يسمح بالتصدير إلى الأسواق الغربية دون المرور بالمضيق.
وتبلغ الطاقة الاستيعابية للخط قرابة 5 ملايين برميل يومياً؛ ما يشكّل ثلاثة أرباع الصادرات السعودية التي وصلت إلى نحو 7 ملايين برميل يومياً في فبراير 2026.
كما يقدم خط أنابيب «سوميد» حلقة مكملة ضمن شبكة النقل الإقليمي، لكنه لا يمثّل بديلاً مباشراً، إذ يمتد من العين السخنة على خليج السويس في مصر، إلى سيدي كرير على البحر المتوسط بطاقة تقارب 2.5 مليون برميل يومياً.
كتب محللو بنك «أي إن جي» في مذكرة: «مع تصاعد المخاطر في مضيق هرمز، تزداد أهمية المسارات البديلة التي تمر عبر مصر، سواء من خلال قناة السويس أو خط أنابيب «سوميد»، إذ تمثل هذه الممرات شرياناً حيوياً لنقل النفط من الخليج إلى الأسواق الأوروبية، ما يعزز من دور مصر في منظومة أمن الطاقة العالمية خلال فترات التوتر الجيوسياسي».
أضاف محللو بنك «أي إن جي»: «ولا يقتصر الأمر على مجرد مسارات نقل بديلة، إذ يعكس التحول المتزايد نحو الممرات التي تمر عبر البحر الأحمر ومصر تحولاً أوسع في خريطة أمن الطاقة العالمية».
وتابعوا: «كلما ارتفعت المخاطر في مضيق هرمز، ازدادت أهمية البنية التحتية البديلة التي تسمح بتجاوز نقاط الاختناق البحرية، وهو ما قد يعيد رسم طرق تجارة النفط بين الشرق الأوسط وأوروبا خلال السنوات المقبلة».
إلى ذلك، دافع مسؤولو إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن قرار رفع بعض العقوبات المفروضة على النفط الروسي مؤقتاً، وتوقعوا عدم استمرار الزيادة الحادة في أسعار البنزين الناتجة عن الحرب مع إيران سوى أسابيع قليلة.
وقال وزير الطاقة كريس رايت والسفير الأميركي لدى الأمم المتحدة مايك والتس إن الإعفاء الذي صدر الأسبوع الماضي للسماح للهند بشراء النفط الروسي سيخفف الضغط على السوق العالمية.
أضاف والتس: «إنها فترة تعليق مؤقتة لمدة 30 يوماً، وهو أمر منطقي نوعاً ما للسماح لملايين البراميل من النفط الموجودة على السفن بالذهاب إلى مصافي التكرير الهندية».
كتب محللو بنك «إيه إن زد» في مذكرة: «يتجاوز الوضع حتى أسوأ السيناريوهات التي توقعناها قبل الهجمات الأولية على إيران من قبل القوات العسكرية الأميركية والإسرائيلية».
أضاف محللو البنك: «احتمالية حدوث المزيد من المكاسب في أسعار النفط عالية للغاية، طالما استمرت المسببات التي أعلت التداولات وربما يتجاوز ذروته التاريخية إلى 150 دولاراً هذا الأسبوع».
تابع محللو البنك: «بدأت الدول المنتجة الرئيسية في الشرق الأوسط، مثل الإمارات والكويت والعراق والسعودية، في خفض إنتاج النفط، حيث نفدت سعة التخزين بسبب اضطرابات واسعة النطاق في الإمدادات».
ولفت محللو بنك «إيه إن زد» إلى أن وعد ترامب بتوفير تأمين بحري وحماية محتملة للسفن التي تمر عبر مضيق هرمز لم يخفف من حدة أزمة النفط.
كتب مؤسس شركة «بلين فيو إنرجي أناليتيكس» ماثيو لويس: «ستحتاج المصافي التي تعتمد على هذه الأنواع إلى إيجاد بدائل مماثلة، أو مشابهة تقريباً، لتعويض البراميل المفقودة».
أضاف في مذكرة للعملاء: «لذا يعد نفط مارس وأنواع النفط الحامض الثقيل والمتوسط الأخرى من الخليج الأميركي بدائل طبيعية وتشهد ارتفاعاً كبيراً في الأسعار».
تابع لويس: «المشترون، خاصة في آسيا، يتنافسون للحصول على المزيد من النفط الخام المتوسط والثقيل».
يرى محللون أن مسار الأسعار خلال الأسابيع المقبلة سيظل مرهوناً بتطورات الصراع في الشرق الأوسط وقدرة المنتجين على تعويض أي نقص في الإمدادات.
قال فيل فلين من مجموعة «برايس فيوتشرز»: «يبدو أن المخاوف من أن يؤدي إغلاق المضيق لفترة من الوقت إلى دفع أسعار النفط إلى 150 دولاراً للبرميل أو أكثر هي القوة الدافعة لما يحدث».
أضاف فلين: «الهجمات على البنية التحتية الإيرانية خلال عطلة نهاية الأسبوع قد أدت بالفعل إلى هذا الارتفاع، وفي حال استمرار الأوضاع هكذا فقد نشهد كارثة اقتصادية جديدة تمتد تداعياتها إلى كافة الأسواق».
وفي ظل هذا المشهد المتقلب، تبدو أسواق النفط أمام مرحلة قد تعيد تعريف توازنات العرض والطلب عالمياً، إذ إن استمرار التوترات في أحد أهم ممرات الطاقة في العالم لا يهدد الإمدادات فحسب، بل يفرض أيضاً واقعاً جديداً على تجارة النفط الدولية ومساراتها الإستراتيجية، بحسب فلين.