الين قد يختبر مستويات 165 يناً/دولار
السوق يترقب قرار «الفيدرالي» وبنك اليابان

وسع الين الياباني خسائره اليوم الأربعاء، متجاوزاً أدنى مستوى له مقابل الدولار الأميركي منذ عام 1986، بعدما تخطى عتبة 160 يناً للدولار، في وقت يترقب فيه المستثمرون عن كثب أي إشارات من بنك اليابان بشأن أي تغيير محتمل في السياسة النقدية أو تدخل جديد من السلطات.
يعكس استمرار هبوط الين فجوة عميقة في السياسات النقدية بين طوكيو وواشنطن، حيث تتحول العملة اليابانية تدريجياً إلى أحد أكثر الأصول حساسية لتوقعات الفائدة العالمية، بدلاً من العوامل المحلية فقط.
مع تواصل الفارق الكبير في أسعار الفائدة بين الولايات المتحدة واليابان، والذي لا يزال يُلقي بظلاله على العملة اليابانية، سيكون قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي المقبل في اجتماعه الشهر الجاري بشأن أسعار الفائدة عاملاً حاسماً في مسار الين.
يرى محللون أن السوق بات يختبر عتبة الصبر لدى السلطات اليابانية، إذ إن كل مستوى جديد للهبوط لا يثير فقط مخاوف اقتصادية، بل يفتح نقاشاً حول مدى استعداد طوكيو للدفاع عن عملتها في ظل بيئة نقدية عالمية معاكسة.
تزامن هذا التحرك مع انخفاض السيولة في بعض الجلسات العالمية؛ ما يجعل أي تدخل محتمل في سوق العملات أكثر تأثيراً من حيث الحجم والسرعة، خصوصاً خلال العطلات أو فترات ضعف التداول.
قال كبير الاقتصاديين في شركة «فوجيتسو» للاستشارات المالية، مارتن شولز: «ضعف الين يعكس مزيجاً من قوة الدولار الأميركي على نطاق واسع، وتخلف بنك اليابان عن البنوك المركزية الرئيسية الأخرى في رفع أسعار الفائدة، وتوسّع المستثمرين في عمليات المضاربة على أسعار الفائدة».
وأضاف شولتز في مذكرة للعملاء: «رغم تدخل السلطات اليابانية في سوق العملات في وقت سابق من هذا العام، إلا أن تلك الجهود لن يكون لها سوى تأثير محدود دون تنسيق أوثق بين وزارة المالية وبنك اليابان».
كما حذّر شولتز من أن انخفاض قيمة العملة قد لا يكون أمراً جيداً على المدى الطويل، لكنه قد يساعد المصنّعين حالياً؛ لأن ضعف الين يدعم الأرباح بشكل كبير.
كذلك أشار شولتز إلى أن ارتفاع مبيعات التجزئة ومرونة الاقتصاد المحلي قد أسهما أيضاً في تحسين معنويات قطاع الأعمال بما يفوق توقعاته.
قال المحللون في بنك «آي إن جي»: «يتعرّض الين لضغوط مستمرة نتيجة استمرار بنك اليابان في سياسته النقدية التيسيرية للغاية، حيث أبقى أسعار الفائدة عند الصفر أو قريباً منه، في حين رفع الاحتياطي الفيدرالي الأميركي أسعار الفائدة بقوة لمكافحة التضخم».
جعل هذا التباين الدولار أكثر جاذبية للمستثمرين الباحثين عن عوائد أعلى؛ ما أدى إلى استمرار عمليات بيع الين، فيما يُعرف بتجارة المناقلة أو «الكاري تريد».
كتب محللو البنك الهولندي في مذكرة: «يمثل هذا التحرك الأخير علامة فارقة مهمة، متجاوزاً أدنى المستويات السابقة التي شهدها عام 1990، وقد ارتفع سعر صرف الدولار مقابل الين بأكثر من 12% هذا العام وحده؛ ما يعكس استمرار قوة الاقتصاد الأميركي والضعف النسبي للاقتصاد الياباني».
أظهر استطلاع «تانكان» الذي أجراه بنك اليابان أن معنويات قطاع الأعمال الياباني أكثر تفاؤلاً مما كان متوقعاً، وارتفع التفاؤل بين كبار المصنعين اليابانيين إلى أعلى مستوى له منذ أكثر من ست سنوات.
ارتفع مؤشر «تانكان»، وهو استطلاع رأي يحظى بمتابعة دقيقة ويقيس معنويات الأعمال بين الشركات المحلية، إلى 22 نقطة بالنسبة للشركات المصنعة اليابانية الكبيرة، بزيادة على 17 في الربع الأخير، متجاوزاً توقعات الاقتصاديين البالغة 16.
ويشير الرقم الإيجابي في التانكان إلى أن عدد المتفائلين يفوق عدد المتشائمين.
كما بلغ مؤشر ثقة الأعمال بين الشركات الكبيرة غير الصناعية 37 نقطة، وهو أعلى مستوى له منذ عقود، وفقاً لبيانات مجموعة بورصة لندن، مرتفعاً من 36 نقطة في الربع الأول، وقد خالف هذا الرقم توقعات أشارت إلى 35 نقطة.
يؤدي ذلك إلى زيادة تكلفة السلع المستوردة، لا سيما الطاقة والمواد الخام التي تعتمد عليها اليابان بشكل كبير، وقد أسهم هذا في ارتفاع التضخم؛ ما أثّر سلباً في ميزانيات الأسر والإنفاق الاستهلاكي.
يشير محللو العملات إلى أن عدم تدخل السلطات اليابانية حتى الآن يُعد عاملاً رئيسياً في استمرار تراجع الين، ورغم أن المسؤولين أعربوا عن قلقهم إزاء وتيرة هذا التراجع، فإنهم امتنعوا عن التدخل المباشر بالشكل الكافي حتى الآن.
يتوقع محللو «آي جي» أن يضعف الين أكثر، وربما يختبر مستوى 165، إذا ما استمر اتساع فجوة سعر الصرف.
قال رئيس إستراتيجيات الاقتصاد الكلي لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ في «ويلز فارغو» تشيدو نارايانان: «الين أقل بكثير من المستويات التي دفعت السلطات اليابانية إلى التدخل في سوق الصرف قبل بضعة أشهر لدعم العملة المتعثرة».
في إشارة إلى احتمال حدوث تدخل ياباني آخر، قال نارايانان في مذكرة للعملاء: «نعتقد أننا قريبون من اتخاذ إجراء محتمل».
وأضاف: «نحن عند مستويات حاسمة، ليس بالضرورة من حيث مستوى السعر الفوري المستهدف، ولكن مستويات قد تضطر وزارة المالية عندها إلى التدخل للحفاظ على مصداقيتها».
يرى محللون أن العطلة الرسمية المقبلة في الولايات المتحدة يوم الجمعة تمثل فرصة محتملة لطوكيو للتدخل، إذ إن ظروف السيولة المنخفضة قد تضخم تأثير أي تحرك.
قالت محللة إستراتيجيات العملات في بنك «الكومنولث الأسترالي» كارول كونغ: «المسألة تتعلق بمتى ستتدخل وزارة المالية مرة أخرى لدعم الين وليس بما إذا كانت ستفعل ذلك».
كذلك أضافت كونغ في مذكرة: «تجاهل الين موجات التدخل التي بلغ حجمها 11.7 تريليون ين (72.25 مليار دولار)».
ورفع بنك اليابان المركزي أسعار الفائدة خلال الأشهر القليلة الماضية، إذ أثارت الحرب مع إيران مخاوف تضخمية وأخلّت بتوقعات أسعار الفائدة العالمية.
رغم أن التدخل في أواخر أبريل وأوائل مايو أدى إلى تعزيز الين لفترة وجيزة، فإنه عاد ليتعرّض للضغط مجدداً مع استمرار توقعات رفع الفائدة الأميركية.
والسؤال الأهم في المرحلة المقبلة هو ما إذا كان بنك اليابان سيُعدّل سياسته النقدية في نهاية المطاف، أو تضخ السلطات مزيداً من الدولارات لدعم العملة، أم أن «الين» سيستمر في الانخفاض مع استمرار فجوة أسعار الفائدة.