تراجع توقعات رفع الفائدة يضغط على العملة
تدخل دعم الين يبقي مخاطر التراجع قائمة

استقر الدولار خلال تعاملات اليوم الخميس، في تداولات بدت حذرة، قبل تلقي الأسواق دفعة جديدة من بيانات التضخم، اليوم وغدا في وقت يحاول فيه المتداولين استقرار الخطوة التالية لأسعار الفائدة.
أظهرت بيانات التضخم الأميركية، أمس تباطؤاً محدوداً في ضغوط الأسعار، ما دفع الأسواق إلى تقليص رهاناتها على رفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي «البنك المركزي الأميركي» أسعار الفائدة في سبتمبر.
يرى محللون أن الدولار لم يدخل في موجة هبوط، بدعم توقعات أن يظل الفيدرالي حذرًا في التخلي عن تشديد السياسة النقدية، في وقت يواجه فيه معضلة مزدوجة تتمثل في تضخم لا يزال أعلى من مستهدفه وسوق عمل تظهر علامات ضعف.
وأظهرت بيانات أمس الأربعاء ارتفاع مؤشر أسعار المستهلكين 0.1% في يوليو، بما يتوافق مع التوقعات، فيما تباطأ التضخم السنوي إلى 3.4% من 3.5% في يونيو، وانخفض التضخم الأساسي إلى 2.5% من 2.6%.
تترقب السوق الآن بيانات تضخم أسعار المنتجين في وقت لاحق اليوم، كما تنتظر بيانات مبيعات التجزئة في الولايات المتحدة غدا.
تشير تحركات سوق العملات إلى انتظار المتداولين مزيدا من البيانات التي قد ترسم مساراً أكثر يقيناً لأسعار الفائدة، في ظل حالة الجمود التي طالت مفاوضات واشنطن وطهران والتي انعكست على تحركات أسعار النفط.
قبل صدور بيانات التضخم، كانت الأسواق المالية تسعّر احتمالًا يبلغ نحو 46% لرفع الفائدة خلال اجتماع الاحتياطي الفيدرالي المقرر يومي 15 و16 سبتمبر، وفق أداة «فيد ووتش» التابعة لمجموعة «سي إم إي».
يرى محللون أن بيانات التضخم قلصت مساحة الرهان على رفع الفائدة في سبتمبر، لكنها لم تُسقط احتمال التشديد بالكامل، خصوصاً أن التضخم السنوي عند 3.4% لا يزال أعلى بكثير من مستهدف الفيدرالي البالغ 2%.
وهنا تكمن معضلة الدولار؛ فكلما تراجعت احتمالات رفع الفائدة، تقلصت جاذبية الأصول الأميركية المقومة بالعملة، لكن استمرار التضخم فوق المستهدف يبقي الباب مفتوحاً أمام تشديد نقدي لاحق.
قال كبير الاقتصاديين الأميركيين لدى «بي إم أو كابيتال ماركتس»، سكوت أندرسون: «التقرير، رغم أنه ليس حاسماً، ينبغي أن يقلل مخاوف الفيدرالي بشأن احتمال حدوث دوامة تضخمية مدفوعة بالطاقة».
وأضاف أندرسون في مذكرة: «البنك المركزي سيحتاج إلى رؤية مزيد من الأدلة في تقارير التضخم المقبلة على أن تضخم الخدمات الأساسية يتراجع بالفعل قبل أن يتخلى تمامًا عن احتمال رفع الفائدة».
قال كبير الاقتصاديين لدى «آر إس إم»، جوزيف بروسويلاس: «التحدي سيكون في كيفية تفسير الفيدرالي هذه البيانات أمام الجمهور».
أضاف بروسويلاس في مذكرة: «لم تمنح قراءة التضخم الدولار دفعة جديدة ولم تحرمه منها، بعدما جاءت متوافقة مع توقعات الاقتصاديين، لكنها في الوقت نفسه لم تكن ضعيفة بالقدر الذي يدفع الأسواق إلى إعادة تسعير السياسة النقدية بصورة جذرية.
وقالت الخبيرة الاقتصادية الأميركية لدى «بي إن بي باريبا سيكيورتيز»، بريتني جاكسون: «لا يزال سيناريو الأساس لدينا هو أن ترفع اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة أسعار الفائدة في ديسمبر»، مشيرة إلى أن المخاطر تميل نحو رفعها في موعد أبكر.
ورغم التراجع الإجمالي، أظهرت تفاصيل التقرير بعض المؤشرات على اتساع نطاق الضغوط التضخمية، إذ قال محللو «آي إن جي بنك» إن الانخفاض الحاد في أسعار الفنادق، والذي من غير المرجح أن يستمر، كان وراء جزء كبير من التباطؤ الشهري في التضخم الأساسي.
قال محلل استراتيجيات العملات لدى «إم يو إف جي»، مايكل وان: «المعضلة الرئيسية أمام الفيدرالي تكمن الآن في الموازنة بين مخاطر التضخم وتراجع سوق العمل، لا سيما بعد تقرير الوظائف لشهر يوليو الذي جاء أضعف من المتوقع».
وتتزايد أهمية هذه المعضلة لأن الاقتصاد الأميركي يقدم إشارات متعارضة؛ فالتضخم يتباطأ، لكن سوق العمل تفقد بعض قوتها، ما يضع صناع السياسة أمام مفاضلة أكثر تعقيدًا بين حماية سوق العمل ومنع عودة الضغوط السعرية.
وقال كبير محللي السوق لدى «بانوكبيرن غلوبال فوركس» مارك تشاندلر: «أعتقدت أنه بعد صدور بيانات الوظائف الضعيفة، سيظل الدولار ضعيفا»
أضاف تشاندلر: «بعد صدور بيانات التضخم التي كانت الأسواق قد سعرتها بالفعل، لم يتحرك الدولار، بل هو أقوى قليلا مما توقعت»..
يظل الين عنصرًا حساسًا، بعدما عاد الدولار إلى منطقة 159 ينًا، بالقرب من مستوى 160 الذي ينظر إليه المتعاملون باعتباره منطقة قد تثير مجددًا مخاوف التدخل الياباني.
وفي المقابل، فإن استمرار ضعف الدولار أمام الين دون مستوى 160 قد يحد من احتمالات تدخل جديد، بينما يمثل تجاوز هذا المستوى مجددًا اختبارًا لقدرة السلطات اليابانية على احتواء تراجع العملة.
ويبقى السؤال الآن، من يتحرك أولا للتأثير على العملة الأميركية في ظل معادلة ثلاثية الأبعاد صاغتها حرب إيران: سعر برميل النفط وتدخلات دعم الين، والتضخم ومسار الفائدة.