
فاقم الإغلاق الحكومي الأطول في تاريخ الولايات المتحدة معاناة أسواق العملات، إذ يتجه المستثمرون نحو تسجيل أضعف أداء سنوي منذ نحو عقدين، في ظل غياب البيانات الاقتصادية التي تُلقي بظلالها على توقعات الدولار.
وبحسب مؤشر «باركلي هيدج» (BarclayHedge)، يتجه مستثمرو الصرف الأجنبي إلى تسجيل أسوأ نتائج سنوية منذ عام 2005. وكانت الضغوط قد بدأت تظهر بالفعل في وول ستريت قبل أزمة البيانات الحالية، إذ سجّلت مؤسسات كبرى مثل «غولدمان ساكس» و«مورغان ستانلي» و«بنك أوف نيويورك ميلون» تراجعاً في إيرادات التداول بالعملات خلال الربع الماضي.
وأدّى غياب الإحصاءات الاقتصادية ومؤشرات تموضع الأسواق خلال الأسابيع الماضية إلى تراجع استعداد المتداولين للمغامرة، فيما تفتقر الصناديق الكمية إلى بيانات عالية الجودة لتغذية نماذجها، ما دفع العديد من الاستراتيجيين إلى تأجيل تحديث توقعاتهم.
ونتيجة لذلك، تراجعت تقلبات أسعار الصرف إلى مستويات دون المتوسط التاريخي، بعيداً عن التذبذبات الحادة التي شهدتها الأسواق عقب إعلان الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب عن الرسوم الجمركية العالمية في أبريل.
وقال شون أوزبورن، كبير محللي العملات في «سكوشيا بنك» لبلومبرغ، إن «العام الحالي يبدو مخيباً للآمال بالنسبة لمستثمري العملات»، مشيراً إلى أن ضعف العوائد قد يجعل المتداولين أكثر حذراً في رفع مستويات المخاطرة خلال الأشهر المقبلة.
تزامن غياب البيانات مع فترة صعبة أصلاً على متداولي العملات، حيث أدّت اضطرابات الرسوم الجمركية إلى تفكك عدد من الارتباطات التقليدية بين العملات، وأصبحت التدفقات المالية واستراتيجيات التحوط أكثر تأثيراً في تحركات السوق.
وبات المستثمرون يتجهون إلى تقليص مراكزهم واعتماد نهج أكثر تحفظاً، إذ تشير مؤشرات الثقة في مسار زوج «اليورو – الدولار» إلى أحد أدنى مستوياتها التاريخية. وفي غياب البيانات الرسمية، يعتمد المتداولون بشكل متزايد على مصادر بديلة مثل بيانات شركة «إيه دي بي» ومؤشر معهد «آي إس إم».
وقالت لورين فان بيلخون، مديرة المحافظ في شركة «أولسبرينغ غلوبال إنفستمنتس»، إن «الاعتماد على البيانات البديلة أصبح ضرورياً في عام اتسم بالضجيج وردود الفعل السريعة، ما جعل من المجدي توزيع المخاطر على مراكز صغيرة متعددة بدلاً من الرهانات الكبيرة».
ورغم هذه التحديات، لم يتراجع الدولار الأميركي كما توقع كثيرون، إذ حافظ على استقراره النسبي عند مستويات متوازنة جديدة، بحسب محللي «بلومبرغ»، الذين أشاروا إلى أن «هذا الثبات لافت في وقت يسود فيه إجماع واسع ضد العملة الأميركية».
لكن هذا الهدوء في الأسواق ليس خبراً ساراً لبنوك الاستثمار الكبرى، التي تجني أرباحها عادة من ارتفاع تقلبات الأسعار وزيادة أحجام الصفقات. ومع تراجع التذبذبات، تقل رغبة الشركات الكبرى في التحوط من مخاطر الصرف، وتنخفض فرص مديري الأصول وصناديق التحوط في تحقيق أرباح من تحركات العملات.
وكانت «مورغان ستانلي» قد أشارت إلى تباطؤ نشاط تداول العملات في نتائج الربع الثالث، بينما قالت «غولدمان ساكس» إن إيراداتها من هذا النشاط كانت «أقل بكثير» مقارنة بالعام السابق. كما تراجعت إيرادات «بي إن واي ميلون» من تداول العملات بنسبة 5% على أساس سنوي.
أما المحللون، فوجدوا أنفسهم أمام معضلة جديدة في سوق العملات البالغ حجمها 9.6 تريليون دولار يومياً، إذ يصعب تقدير مراكز المستثمرين أو تعديل التوقعات من دون بيانات لجنة تداول السلع الآجلة أو تقارير التضخم والوظائف الشهرية.
وقالت جين فولي، رئيسة استراتيجية الصرف في «رابو بنك»: «من الصعب أن تكون متنبئاً في أفضل الأحوال، لكننا الآن نعمل فعلاً في الظلام».
ويرى ريتشارد كوتشينوس، محلل العملات في «آر بي سي كابيتال ماركتس»، أن التنبؤ بأسواق العملات أشبه بجمع قطع فسيفساء من مصادر مختلفة، مضيفاً: «عندما يغيب جزء ضخم من بيانات الاقتصاد الأميركي، يصبح الحذر هو الخيار الطبيعي».
ويُقدَّر أن الإغلاق الحكومي يكلّف الاقتصاد الأميركي نحو 15 مليار دولار أسبوعياً، ما يزيد الضغوط لإنهاء الجمود السياسي. وإذا ما تم ذلك قريباً، قد تعود التقلبات إلى أسواق العملات بسرعة، لتمنح المتداولين «واقعاً جديداً» بعد أسابيع من الهدوء المصطنع، بحسب كريس كالاندر من «سوسيتيه جنرال».