تراجعات للأسهم وصحوة للدولار
الذهب يسقط دون 4500 دولار

تصريحات متضاربة، مفاوضات غير مؤكدة، وتصعيد لا يتوقف.. هكذا دخلت الأسواق أخطر مراحلها، حيث لم تعد تتحرك وفق البيانات، بل وفق الحرب النفسية التي تعيد تشكيل التوقعات كل ساعة.
ومع انطلاق عاصفة من التصريحات المتناقضة التي ينفي بعضها البعض، باتت الأسواق فريسة سهلة للتقلبات، إلا أن أسعار النفط تظل المؤشر الأكثر تعبيراً عن الرهان الأكثر ترجيحاً لدى المتداولين.
أدت حرب إيران إلى تعليق شبه كامل للملاحة عبر مضيق هرمز، المسؤول عن عبور 20% من إمدادات الطاقة العالمية، ما انعكس على أسعار النفط التي قفزت قرب ذروة أربعة أعوام، وهو ما أجج توقعات التضخم وبدّل مسار أسعار الفائدة.
في غضون ذلك، شهدت أسواق الأسهم والأصول عالية المخاطر حالة من العزوف، طالت حتى الملاذات التقليدية كالذهب، في ظل توجه المتداولين نحو الأصول الأكثر سيولة وتفضيل النقد، وهو ما ظهر جلياً في ارتفاع الدولار إلى ذروة عشرة أشهر.
قال كبير مسؤولي الاستثمار لدى «سيتيرا لإدارة الاستثمارات» جين غولدمان: «هناك تفاؤل بأن المقترح والمقترح المضاد يمهدان الطريق لمزيد من المفاوضات».
أضاف غولدمان: «لكن إلى حين اتضاح الموعد المحتمل لانتهاء الحرب، من المتوقع استمرار التقلبات الكبيرة نظراً لتأثير ارتفاع أسعار النفط على التضخم».
وقال كبير الاقتصاديين في معهد «إن.إل.آي للأبحاث» تسويوشي أوينو: «تلاشى التفاؤل حيال وقف إطلاق النار، في ظل التصريحات المتضاربة بشأن المفاوضات».
قال عضو مجلس إدارة البنك المركزي الأوروبي ومحافظ البنك المركزي الألماني يواكيم ناجل اليوم: «لدينا خيار لرفع أسعار الفائدة في اجتماع أبريل».
جاء ذلك بعد يوم من قول رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد إن البنك مستعد للتحرك في أي اجتماع لدفع التضخم نحو مستواه المستهدف البالغ 2%.
وارتفعت عائدات السندات الأوروبية قصيرة الأجل، التي تعكس توقعات أسعار الفائدة، مما ضغط على الأسهم، ووفقاً لبيانات جمعتها مجموعة بورصات لندن، تشير عقود الفائدة الآجلة إلى احتمال يزيد على 68% لرفع أسعار الفائدة في أبريل.
قال محلل الأسواق لدى «توكاي طوكيو إنتليجنس لابوراتوري» شوتارو ياسودا: «باع المستثمرون الأسهم لجني الأرباح بعد المكاسب الأخيرة، كما أجج ارتفاع أسعار النفط المخاوف من التضخم وزاد الضغوط على الاقتصاد».
وقال الخبير في «دايوا للأوراق المالية» شوجي هوسوي: «لا يزال مؤشر نيكاي يتداول دون متوسط 25 يوماً البالغ 55300 نقطة، وهو ما يشير إلى استمرار الحذر بشأن مآلات الحرب».
وأضاف: «يعاني اقتصاد اليابان من حساسية مرتفعة تجاه أسعار النفط، بسبب اعتماده الكبير على الطاقة المستوردة، ويشكل إغلاق مضيق هرمز عبئاً كبيراً، إذ تمر عبره نحو 90% من واردات النفط اليابانية».
تراجعت أسعار النفط مطلع الأسبوع بنحو 14%، بعد تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن إحراز تقدم في المفاوضات لإنهاء الحرب مع إيران.
إلا أن حالة من الحذر الشديد عادت للسيطرة، بعد نفي طهران إجراء محادثات مباشرة، إذ قال متحدث باسمها إن الولايات المتحدة «تتفاوض مع نفسها»، وبعد أقل من يوم، اعتبرت إيران أن المقترح الأميركي المؤلف من 15 بنداً مبالغ فيه، وطالبت بالاعتراف بسيادتها على مضيق هرمز.
وقال ترامب، أمس، إن إيران تتوق إلى التوصل إلى اتفاق لإنهاء القتال المستمر منذ ما يقرب من أربعة أسابيع، ورد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، اليوم، قائلاً: «السلطات العليا تدرس المقترح، لكن تبادل الرسائل عبر الوسطاء لا يعد تفاوضاً، وطهران لا تنوي إجراء محادثات مباشرة مع واشنطن».
كتب محللو «مورغان ستانلي»: «تتأرجح الأسواق بين المكاسب والخسائر هذا الأسبوع، متأثرة بالتقلبات السريعة في الخطاب بين واشنطن وطهران».
وفي ظل تراجع إشارات التهدئة وارتفاع احتمالات التصعيد، لم تعد الأسواق تبحث عن اتجاه بقدر ما تبحث عن يقين، وهو ما يجعلها عرضة لإعادة تسعير حادة مع كل عنوان عاجل.
وباتت الأسواق اليوم لا تبحث عن الحقيقة، بل عن إشارة تطمئنها، لكن في زمن الحرب النفسية، الإشارات نفسها قد تكون جزءاً من المعركة، وفي هذه اللعبة، لا يربح من يفهم السوق.. بل من يفهم من يحركه.