احتمال جني الأرباح والتصحيح وارد حتى 15%
الذهب يرتفع 150% في 13 شهرًا وتوقعات بالمزيد

قبل شهر مارس من العام الماضي، كانت أسعار الذهب لا تزال دون مستويات الـ3000 دولار، لكن مع تسارع الدعوات بخفض أسعار الفائدة، وأزمة استقلالية مجلس الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأميركي)، جنباً إلى جنب مع الحروب التجارية التي أشعلتها تعريفات «يوم التحرير» الجمركية التي أطلقها الرئيس الأميركي مطلع أبريل من العام الماضي، ومخاوف اشتعال الحرب التجارية بين بكين وواشنطن، دخلت أسعار الذهب في موجة من الصعود المحموم.
سجلت أسعار الذهب منذ ذلك أكثر من 83 رقماً قياسياً، وتحوم اليوم الاثنين، قرب أعلى مستوياتها على الإطلاق مخترقة حاجز 5100 دولار للأونصة.
جاء هذا الارتفاع نتيجة تضافر عوامل جيوسياسية واقتصادية عدة، حيث أدت الثورة الإيرانية إلى اضطراب تدفقات النفط العالمية.
كما غذّت أزمة الرهائن في السفارة الأميركية حالة من الذعر الدولي، كما أعاد الغزو السوفيتي لأفغانستان إشعال مخاوف الحرب الباردة.
في الوقت ذاته، أدى التضخم المرتفع في الولايات المتحدة إلى تآكل الثقة بالدولار، ما دفع المستثمرين إلى شراء الذهب كملاذ آمن.
تضافرت مجموعة من العوامل لإشعال فتيل ارتفاعات 2025، بدايةً من تداخل الأزمات الجيوسياسية والاقتصادية.
كما أسهمت حرب غزة، والحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين، والتعريفات الجمركية التي فرضها ترامب على أغلب دول العالم، في زيادة الإقبال على السبائك للتحوط من حالة عدم اليقين.
بينما أدت اضطرابات الطاقة والتضخم المستمر بعد الجائحة، تزامنًا مع أزمات استقلالية الفيدرالي وتراجع الثقة في الدولار، إلى زيادة لجوء البنوك المركزية إلى احتياطياتها من الذهب.
بين عامي 1980 و1982، وتحت قيادة الرئيس الأسطوري للفيدرالي الأميركي بول فولكر، استخدم مجلس الاحتياطي الفيدرالي أدوات السياسة النقدية لرفع أسعار الفائدة قصيرة الأجل إلى مستوى تاريخي بلغ 20%.
أدت أسعار الفائدة المرتفعة إلى زيادة جاذبية سندات الخزانة الأميركية ومختلف الأصول المقومة بالدولار بشكل ملحوظ، مما أسفر عن تعزيز كبير للدولار. وفي الوقت نفسه، تراجعت أسعار الذهب إلى نطاق يتراوح بين 300 و400 دولار للأونصة في عام 1982.
كان الهدف الرئيسي لفولكر عند توليه منصبه هو عكس مسار سياسة نقدية متساهلة وغير منظمة استمرت قرابة عقد من الزمن في الولايات المتحدة. وفي الواقع، حتى قبل أزمة النفط عام 1979، كان معدل التضخم في الولايات المتحدة قد اقترب بالفعل من 8%.
تأثرًا بمؤشرات ضعف سوق العمل، قام الاحتياطي الفيدرالي بخفض أسعار الفائدة قصيرة الأجل ثلاث مرات منذ سبتمبر 2025، حيث يتراوح معدل الفائدة الحالي بين 3.5% و3.75%، وهو أدنى مستوى له منذ عام 2022.
بعد خفض سعر الفائدة الأخير في ديسمبر، صرح رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول بأن سعر الفائدة الحالي يقع ضمن النطاق المحايد المقدر، وأن مجلس الاحتياطي الفيدرالي سيواصل مراقبة التطورات الاقتصادية قبل اتخاذ قرار بشأن السياسات اللاحقة.
ومع ذلك، ووفقًا للتوقعات في سوق العقود الآجلة للأموال الفيدرالية، لا يزال السوق يتوقع أن يقوم الاحتياطي الفيدرالي بخفض أسعار الفائدة مرتين على الأقل في عام 2026، بحيث يكون كل خفض بمقدار 25 نقطة أساس.
قال الرئيس العالمي لاستراتيجية سوق السلع في شركة «تي دي للأوراق المالية» بارت ميليك: «لا توجد أي مؤشرات على ظهور شخصية متشددة مثل فولكر في الوقت الحالي».
أضاف ميليك في مذكرة للعملاء: «بحلول مايو 2026، قد يهيمن على مجلس الاحتياطي الفيدرالي مسؤولون ذوو توجهات تيسيرية نسبيًا، ينظرون إلى هدف التضخم البالغ 2% كمعيار مرجعي، وليس كمؤشر صارم يجب تحقيقه بأي ثمن».
تابع ميليك: «أدت توقعات السوق بأن استقلالية الاحتياطي الفيدرالي قد تتأثر بحلول مايو 2026 إلى حدوث تشوهات في السوق، في الوقت الذي لا تزال فيه أسعار الفائدة طويلة الأجل أعلى من المتوقع».
أشار محللون من قسم الأبحاث في بنك «بي بي في إيه» إلى أن أسعار الفائدة طويلة الأجل الحالية تتضمن بالفعل علاوة، تنبع من حالة عدم اليقين في السوق قبل الإعلان عن خليفة باول في أوائل عام 2026.
يعتقد المحللون لدى بنك «بي بي في إيه» أنه حتى لو اعتبر السوق مجرد تدخل حكومي في عملية صنع القرار لدى الاحتياطي الفيدرالي، فقد يؤدي ذلك إلى زيادة في تكاليف الاقتراض طويلة الأجل، وهو ما يتعارض مع النية الأصلية لإدارة ترامب المتمثلة في خفض تكاليف التمويل.
في الظروف العادية، تُعد سندات الخزانة الأميركية واحدة من أكثر الأصول المدرة للفائدة أمانًا وموثوقية، ويمكن أن تؤدي العوائد المرتفعة على السندات الحكومية طويلة الأجل إلى تحويل الطلب الاستثماري بعيدًا عن الذهب بشكل مباشر، بحسب محللي مجموعة «سي بي إم» المالية.
كتب محللو مجموعة «سي بي إم»: «تراجع ثقة السوق فيما يتعلق باستقلالية الاحتياطي الفيدرالي قد وفّر بالفعل، وسيستمر في توفير، دعمًا قويًا للطلب الاستثماري على الذهب والفضة».
أشار كبير الاقتصاديين الأميركيين في شركة «أليانس بيرنشتاين» إريك وينوغراد إلى أن «خضوع البنوك المركزية للضغوط السياسية غالبًا ما يؤدي إلى ضغوط تضخمية تصاعدية».
استشهد وينوغراد بفترة السبعينيات كمثال، عندما استجاب الاحتياطي الفيدرالي لتوجيهات الرئيس نيكسون آنذاك بخفض أسعار الفائدة، مما أدى بشكل مباشر إلى استمرار التضخم المرتفع على مدى العقد التالي.
يقول وينوغراد في مذكرة للعملاء: «إذا حدث سيناريو مماثل في عام 2026، فإن القوة الشرائية للدولار الأميركي ستنخفض وتستمر في الانخفاض، مما يدفع المستثمرين إلى البحث عن أصول بديلة».
أضاف وينوغراد: «على الرغم من أن الأصول مثل الذهب والعملات المشفرة تحمل طبيعة مضاربة معينة، فمن المرجح أن تستفيد إذا تم المساس باستقلالية الاحتياطي الفيدرالي، فكلاهما بمثابة بدائل للدولار، ويعتبرهما السوق تحوطات فعالة ضد التضخم».
تابع وينوغراد: «لا يزال من غير الواضح اتجاه الاقتصاد الأميركي وسياسة الاحتياطي الفيدرالي في عام 2026، ولكنّ هناك شيئاً واحداً مؤكداً بالنسبة لمستثمري الذهب، وهو أن البيئة الاقتصادية والسياسية الحالية تشبه إلى حد كبير أوائل السبعينيات أكثر من عام 1979».
تتوقع مجموعة «ماكواري» أن تتباطأ مشتريات البنوك المركزية والتدفقات إلى صناديق الاستثمار في الذهب خلال العام الحالي، مع تعرض الطلب على المجوهرات، الذي انخفض 23% في الربع الثالث، لضغوط لم يعوضها جزئيًا سوى طلب الأفراد على السبائك والعملات الذهبية.
ولفت خبراء «ماكواري» إلى أن الطلب على السبائك لم يشهد عمليات جني أرباح تذكر منذ أكتوبر، مع عدم قيام البنوك المركزية بعمليات بيع كبيرة أو تخلي الصناديق الكبرى عن بعض حيازاتها، ما يفتح احتمالات حدوث تصحيح تتراوح نسبته بين 10% و15%.
يرى كبير محللي السوق لدى «كيه سي إم تريد» تيم ووترر أن الارتفاعات الأخيرة للذهب يغذيها زخم مضاربي في ظل نقص السيولة، ومن المرجح أن يحدث قطف لثمار هذه المكاسب، وإذا استمرت السيولة منخفضة، ستصبح التقلبات أكبر.
كتب كبير محللي السوق في شركة «كيه سي إم تريد» تيم ووتر: «لا تزال ديناميكيات السوق المتمثلة في انخفاض أسعار الفائدة الأميركية تصب في صالح الذهب، لكن إغراء جني الأرباح عند مستوى 5000 دولار يشكل خطرًا مؤقتًا على المدى القصير».
في حين أشار الرئيس العالمي لاستراتيجية الذهب والمعادن في شركة «ستيت ستريت» لإدارة الاستثمارات أكاش دوشي إلى وجود فرصة لجني بعض الأرباح الكبيرة في ظل الارتفاعات الحادة التي يسجلها الذهب، مما يفتح المجال أمام تراجع محتمل.
كتب دوشي في مذكرة: «لكن من المرجح أن يقتصر ذلك على 5% إلى 7%، ويُنصح بالشراء عند انخفاض السعر».
أضاف دوشي: «لكننا نرى أن الاستثمار في الذهب ينطوي على مجال واسع للتوسع، وهو ليس أصلًا مملوكًا بشكل مفرط، ويمتلك فرصة كبيرة لمواصلة الصعود».