المتداولون يستعدون لجولة جديدة من الصعود
التصحيح السعري يوفر مستويات دعم قوية

محت أسعار الذهب خلال تعاملات، اليوم الخميس، كافة خسائرها المبكرة في الجلسة الآسيوية، في إشارة صريحة إلى عدم استسلام الثيران لضغط الدببة وعمليات جني الأرباح الخاطفة، تزامناً مع تقييم الأسواق لأحدث عمليات «تجارة تاكو» ترامب.
ظهر مصطلح «تجارة تاكو» اختصاراً لعبارة «ترامب دائماً يتراجع» بعد موجة البيع الشديدة التي شهدها شهر أبريل الماضي، عقب إعلان تعريفات يوم التحرير، وهذا السلوك المتكرر لم يعد استثناءً في سياسة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بل تحوّل إلى نمط تتعامل معه الأسواق مسبقاً.
في التعاملات المبكرة اليوم، هبطت أسعار المعدن النفيس مع انحسار التوترات الجيوسياسية والطلب على الملاذات الآمنة بعد تراجع ترامب عن تهديداته بفرض رسوم جمركية جديدة ومقترحاته بضم غرينلاند بالقوة، في حين ضغط ارتفاع الدولار على الأسعار أيضاً.
عزز من صعود الذهب تراجع الدولار قرب أدنى مستوياته في ثلاثة أسابيع مقابل اليورو والفرنك السويسري، بعدما تسببت تهديدات البيت الأبيض بشأن غرينلاند في موجة بيع واسعة للأصول الأميركية.
تراجع ترامب بشكل مفاجئ أمس الأربعاء، عن تهديداته بفرض رسوم جمركية كوسيلة ضغط للسيطرة على غرينلاند، واستبعد استخدام القوة، وأشار إلى أن هناك اتفاقاً يلوح في الأفق لإنهاء النزاع حول المنطقة الدنمركية.
تعرض الذهب للضغط عقب تلك التصحيحات وتخلى عن معظم مكاسبه، مع ارتفاع الدولار وانخفاض عوائد سندات الخزانة الأميركية لأجل عشر سنوات عن أعلى مستوياتها في عدة أشهر، بينما ارتفعت مؤشرات «وول ستريت» أيضاً على خلفية أنباء تراجع ترامب عن الرسوم الجمركية.
وعادة ما تؤدي قوة الدولار إلى زيادة تكلفة المعادن المقومة بالعملة الأميركية بالنسبة لحائزي العملات الأخرى، كما يميل الذهب الذي لا يدر عوائد إلى تحقيق أداء جيد في أوقات أسعار الفائدة المنخفضة.
يترقب المتعاملون حزمة من البيانات الاقتصادية، أهمها بيانات نفقات الاستهلاك الشخصي لشهر نوفمبر، وهو مقياس التضخم المفضل لمجلس الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأميركي).
تنتظر السوق أيضاً بيانات طلبات إعانة البطالة الأسبوعية المقرر صدورها في وقت لاحق من اليوم للحصول على مزيد من المؤشرات حول مسار السياسة النقدية، والتي تأتي قبل اجتماع البنك الأسبوع المقبل.
من المتوقع على نطاق واسع أن يبقي المركزي الأميركي على أسعار الفائدة دون تغيير بعد اجتماعه يومي 27 و28 يناير، رغم دعوات ترامب لخفضها.
قال كبير خبراء السوق لدى شركة «آر جيه أو فيوتشرز» بوب هابركورن: «الإعلان الجديد المتعلق بالرسوم الجمركية الأوروبية دفع سوق الأسهم إلى الارتفاع، وبدد معظم المكاسب وفرض بعض الضغوط على المعادن».
أضاف هابركورن في مذكرة للعملاء: «شهدنا موجة تصفية مراكز على الذهب بناءً على الأخبار، لكن هذا لا يغير الاتجاه العام الصاعد مطلقًا».
وارتفع سعر الذهب، الذي ينظر إليه على أنه ملاذ آمن خلال فترات الضبابية الاقتصادية والسياسية، 64% في عام 2025، وسجل 72 رقمًا قياسيًا، في حين صعد 11% حتى الآن في عام 2026.
رفع بنك «غولدمان ساكس» توقعاته لسعر الذهب بحلول نهاية عام 2026 إلى 5400 دولار للأونصة مقابل توقعات سابقة بوصوله إلى 4900 دولار، وأرجع ذلك إلى تنويع استثمارات القطاع الخاص والبنوك المركزية في الأسواق الناشئة.
وقال الاقتصاديون في «غولدمان ساكس» في مذكرة: «نتوقع أن المشترين بغرض تنويع الاستثمارات من القطاع الخاص، الذين تهدف مشترياتهم إلى التحوط من مخاطر السياسة العالمية والتي أدت إلى الرفع المفاجئ في توقعاتنا للأسعار، لن يقوموا بتسييل حيازاتهم من الذهب في عام 2026».
حذر استراتيجيو السلع لدى بنك «إتش إس بي سي» من حركة تصحيحية لاحقة قد يفقد فيها الذهب ما بين 7% و10% من قيمته.
وفي الوقت ذاته، قد تواجه أسواق الأسهم تقلبات محدودة تتراوح بين 2 و3%، إلى حين وضوح الصورة السياسية وانحسار التوترات، بحسب الاستراتيجيين في «إتش إس بي سي».
قال كبير المحللين في شركة «ستون إكس»، مات سيمبسون: «منحت التوترات الجيوسياسية المستثمرين في الذهب سبباً إضافياً لدفع المعدن الأصفر إلى مستويات قياسية جديدة».
أضاف سيمبسون: «قوة الدولار وضعف توقعات خفض أسعار الفائدة والهدوء النسبي للتوترات الجيوسياسية كلها عوامل قد تبطئ ارتفاعات الذهب، لكنها لن تمنعه من تسجيل مستويات قياسية جديدة».
كتب ترامب في منشور على منصة «تروث سوشال» المملوكة له أن «واشنطن وحلف شمال الأطلسي وضعا إطار عمل لاتفاق مستقبلي بشأن غرينلاند، وفي الواقع، منطقة القطب الشمالي برمتها»، وأردف قائلاً: «بناءً على هذا التفاهم، لن أفرض الرسوم الجمركية التي كان من المقرر أن تدخل حيز التنفيذ في الأول من فبراير».
قال ترامب إن «الحلفاء الغربيين في منطقة القطب الشمالي يمكنهم إبرام اتفاقية جديدة تُلبي رغبتهم في منظومة دفاع صاروخي تعرف باسم (القبة الذهبية) والوصول إلى المعادن الحرجة، وتعرقل في الوقت نفسه طموحات روسيا والصين في منطقة القطب الشمالي».
أضاف ترامب للصحفيين عقب اجتماع مع الأمين العام لحلف شمال الأطلسي مارك روته: «الاتفاق يرضي الجميع، إنه اتفاق طويل الأمد. يمنح الجميع وضعية ممتازة، لا سيما فيما يتعلق بالأمن والمعادن... إنه اتفاق أبدي».
تابع ترامب: «ستستمر المفاوضات بين الدنمرك وغرينلاند والولايات المتحدة بهدف ضمان عدم تمكن روسيا والصين من ترسيخ وجودهما الاقتصادي أو العسكري في الجزيرة».
ويبدو الآن أن الذهب يواصل أداء دوره التقليدي كملاذ آمن، بينما تتأرجح الأسواق المالية بين المخاطر السياسية والتوقعات الاقتصادية، ما يجعل التحوط والانتظار الاستراتيجي أكثر أهمية خلال الفترة الحالية.
وبين توترات جيوسياسية متقلبة وتوقعات خفض أسعار الفائدة، ودولار يبدو أنه في طريقه لفقد مزيد من الهيمنة، من جانب وسيولة عالمية تنتظر من يوجهها، يقف الذهب بين مفترق طرق قد يقود إلى مستويات جديدة غير مسبوقة أو تصحيح مفيد يوفر دعائم متينة لمواصلة الصعود.