«إس آند بي 500» يرتفع بأكبر وتيرة في شهرين
مؤشر الخوف والتقلبات يعود أسفل الحد الآمن

أدى إلغاء الرئيس الأميركي دونالد ترامب للتعريفات الجمركية إلى انتعاش السوق، لكن التقلبات الحادة في أسعار الأسهم بمثابة تحذير لما ينتظر المستثمرين في المستقبل، بدأ المستثمرون يعتادون على نمط مألوف يُعرف في «وول ستريت» الآن باسم «تاكو».
«تاكو» وهو افتراض أن دونالد ترامب سيعكس في النهاية السياسات التي تهدد بإغراق السوق وإثارة البلبة، عبر التراجع عنها نهائياً أو تأجيلها لحين الحصول على صفقة أفضل للولايات المتحدة، وهو ما حدث أمس في أزمة غرينلاند.
منح ترامب المستثمرين يوم أمس الأربعاء مهلة مرحباً بها من التهديدات المتعلقة بالتعريفات الجمركية، التي أعلن انه سيفرضها على 8 دول أوروبية مطلع الأسبوع، وهو جزء من مسعاه للاستحواذ على غرينلاند من الدنمارك.
وبعد موجة بيع قوية في اليوم السابق، انتعشت الأسهم الأميركية بشكل حاد، في الليلة الماضية، بعد أن قال ترامب إنه سيتخلى عن خطته لفرض رسوم جمركية على الحلفاء الأوروبيين.
كان العامل المحفز لهذا التحول الدراماتيكي في موقف ترامب، ما وصفه الرئيس بأنه إطار عمل لاتفاقية مستقبلية بشأن غرينلاند، وفقًا لمنشور على وسائل التواصل الاجتماعي «تروث سوشيال».
حوّل هذا المنشور فترة من القلق المتزايد في السوق إلى انتعاش مؤقت، إلا أنه لم يتمكن من تعويض جميع الخسائر التي تكبدتها السوق في الجلسة السابقة، بعدما فقدت «وول ستريت» ما يقرب من 1.5 تريليون دولار بين عشية وضحاها، وهو رقم يعادل القيمة السوقية لشركات عملاقة مجتمعة في «وول ستريت».
قال كبير الاستراتيجيين في شركة «إنترأكتيف بروكرز» ستيف سوسنيك: «الإطار المعلن لاتفاقية (الناتو) بشأن غرينلاند أسهم في تخفيف المخاوف، لكنه لا يزال يفتقر إلى التفاصيل».
أضاف سوسنيك في مذكرة للعملاء: «هذا الغموض يفسر جزئياً سبب عدم تمكن مؤشري (ستاندرد آند بورز 500) و(ناسداك المركب) من تعويض خسائر يوم الثلاثاء بشكل كامل بعد تراجع يوم الأربعاء».
تابع سوسنيك: «بمجرد إدخال التعريفات الجمركية في النقاش بين أكبر التجاريين، فإن ذلك يحول الأمر على الفور من حدث جيوسياسي يمكن للأسواق تجاهله إلى حد كبير، إلى حدث يتعين عليهم إيلاء اهتمام فوري له».
ارتفعت الأسهم الأميركية في ختام تعاملات الأربعاء، لتعوض جزءا كبيرا من خسائر الثلاثاء المدفوعة بتصاعد التوترات التجارية والجيوسياسية، وذلك بعد تصريحات للرئيس الأميركي دونالد ترامب نزعه فتيل أزمة غرينلاند مؤقتاً.
وتراجع مؤشر الخوف في «وول ستريت» (فيكس) – الذي يقيس التقلبات المتوقعة خلال 30 يوما بأكثر من 15% إلى نحو 17 نقطة، بعدما تجاوز الثلاثاء الحد الفاصل بين توقعات الاستقرار والاضطرابات البالغ 20 نقطة.
ظهر مصطلح «تجارة تاكو» في «وول ستريت» - وهو اختصار لعبارة «ترامب دائماً يتراجع» بعد موجة البيع الشديدة التي شهدها شهر أبريل الماضي، عقب إعلان تعريفات «يوم التحرير»، وهذا السلوك المتكرر لم يعد استثناءً في سياسة ترامب، بل تحوّل إلى نمط تتعامل معه الأسواق مسبقاً.
في العام الماضي أعلن ترامب عن فرض تعريفات جمركية شاملة على الواردات من معظم الشركاء التجاريين للولايات المتحدة، لكنه أجّلها عندما انخفضت أسعار الأسهم وعوائد السندات.
أتاح تجميد الرسوم الجمركية الوقت الكافي لاستكمال المفاوضات التجارية وتعافي الأسواق، لكنه منح أيضاً ميزة للمستثمرين الذين اعتادوا التعامل بحذر مع مؤشرات الذعر الأولي في السوق الناجمة عن سياسات ترامب الجديدة، نظراً لعدم التزامه بتنفيذها.
كثيراً ما أشار ترامب إلى الأداء القوي لسوق الأسهم كمؤشر على نجاحه السياسي، ما دفع العديد من المستثمرين إلى اعتبار الأسواق المالية قيداً ضمنياً على تصرفاته السياسية، وبالنسبة للمستثمرين، باتت هذه المعادلة تعني أن موجات الذعر الأولي غالبا ما تخلق فرص شراء قصيرة الأجل.
قال كبير الاقتصاديين في شركة «سبارتان كابيتال سيكيوريتيز» يتر كارديلو: «يعني هذا أنه لن يتم تنفيذ أي سياسة في نهاية المطاف إذا كانت تهدد سوق الأسهم وهو منطق يكمن وراء ما يسمى بتداول (TACO)».
يوم الأربعاء، شعر المستثمرون المتفائلون بالارتياح إزاء نبرة الرئيس التصالحية، بما في ذلك تصريحه بأنه لن يستخدم القوة العسكرية للاستيلاء على غرينلاند، في حين دعا إلى إجراء مفاوضات، وفقاً لكارديلو.
كارديلو أكد: «هذا يُريح السوق، لكن بالطبع، هذا النوع من الأخبار قد يتغير من لحظة لأخرى، إلا أنها خطوة في الاتجاه الصحيح».
كتب كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «هورايزون للاستثمارات» سكوت لادنر: «التوترات المرتبطة بالتعريفات الجمركية المتجددة تجعل انتخابات التجديد النصفي محط الأنظار».
توقع لادنر أن تقوم إدارة ترامب بطرح عدد كبير من الاختبارات او البالونات لقياس رد فعل السوق على مختلف الإجراءات السياسية، ولهذا السبب، «نحن نراهن على أن التقلبات ستزداد مع اقتراب موعد الانتخابات».
تاريخياً، يميل أداء سوق الأسهم في سنوات انتخابات التجديد النصفي، أو السنة الثانية من ولاية الرئيس، إلى أن يكون ضعيفاً بشكل خاص، وفقاً لـ«فاكت سيت».
قال كبير استراتيجيي السوق في مجموعة «كارسون» ريان ديتريك: «تميل سنوات منتصف الولاية إلى أن تكون الأكثر تقلباً في الدورة الرئاسية التي تستمر أربع سنوات».
كتب ديتريك في مذكرة للعملاء: «بعد الارتفاع الذي شهدناه في السنوات الثلاث الماضية، علينا أن نكون مستعدين لتقلبات العام الجاري، وهو أمرٌ مستحق».
وتابع: «دائماً التقلبات هي ثمن الاستثمار، وهي أمرٌ طبيعي، ومن المرجح أن تشهد الأشهر المقبلة مزيداً من التقلبات».
وبين تصعيد سياسي سريع، وارتداد سوقي أسرع، تبدو «وول ستريت» اليوم اللاعب الوحيد القادر على إجبار السياسة على التراجع.