واشنطن تريد شراء الجزيرة منذ أكثر من 150 عاماً
كل الخيارات مفتوحة لإنهاء النزاع من كافة الأطراف

ساعات قليلة تفصل الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن الوصول إلى مؤتمر دافوس المنعقد في سويسرا حالياً، وسط حالة من الصخب والجدل الكبير بعد الأزمة التي أثارها ترامب بسبب رغبة واشنطن في شراء جزيرة غرينلاند أو الحصول عليها بأي ثمن.
وما بين تهديد ترامب بفرض وابل من التعريفات الجمركية على ثماني دول من دول الاتحاد الأوروبي، تمتلك أوروبا هي الأخرى أداة مكافحة الإكراه الاقتصادي المعروفة إعلامياً باسم «بازوكا التجارة»، المصممة خصوصاً لمثل هذه الحالات.
قال الرئيس دونالد ترامب إنه غير متأكد مما يمكن توقعه من رحلته إلى دافوس في سويسرا، حيث من المقرر أن يحضر المنتدى الاقتصادي العالمي ويلتقي بقادة العالم.
وقال ترامب للصحافيين قبل مغادرته البيت الأبيض: «سأذهب إلى دافوس، وأعتقد أن الرحلة ستكون ناجحة للغاية»، وأضاف: «ستكون رحلة مثيرة للاهتمام، لا أعرف ما سيحدث، لكنكم ممثلون تمثيلاً جيداً».
ويحضر ترامب الاجتماع السنوي للقادة الاقتصاديين والسياسيين في العالم لأول مرة منذ ست سنوات، بعد أيام قضاها في توجيه التهديدات لحلفاء الولايات المتحدة بشأن غرينلاند.
قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب أمس إنه «لن يتراجع عن هدفه المتمثل في السيطرة على غرينلاند»، ورفض استبعاد الاستيلاء بالقوة على الجزيرة الواقعة في القطب الشمالي.
وأضاف في منشور على «تروث سوشيال»: «أعتقد أننا سنعمل على شيء سيسعد حلف شمال الأطلسي جداً ويسعدنا جداً، لكننا نحتاج إلى غرينلاند لأغراض أمنية»، مشيراً إلى أن الحلف «لن يكون قوياً جداً من دون الولايات المتحدة».
في المقابل، قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إن أوروبا لن تستسلم أمام المتنمرين أو ترضخ للترهيب، في انتقاد لاذع لتهديد ترامب بفرض رسوم جمركية باهظة إذا لم تسمح له أوروبا بالسيطرة على غرينلاند.
تحدد إستراتيجية الأمن القومي للعام 2025، التي وضعتها إدارة ترامب، ثلاثة تهديدات في نصف الكرة الغربي: الهجرة، والمخدرات، والجرائم، وتزايد نفوذ الصين.
وفي حين أن سكان غرينلاند لا يهاجرون إلى الولايات المتحدة ولا يتاجرون بالمخدرات، فإن غرينلاند غنية بالمعادن الأرضية النادرة، بما في ذلك النيوديميوم، والديسبروسيوم، والغرافيت، والنحاس، والليثيوم.
إضافة إلى ذلك، تسعى الصين لإقامة مصالح تعدينية في غرينلاند والقطب الشمالي بإطار مبادرة طريق الحرير القطبي، وهو ما يؤرق واشنطن.
وعرضت الصين بناء بنية تحتية لغرينلاند، بما في ذلك تطوير المطار، إلى أن تدخلت الدنمارك وقدمت تمويلاً بديلاً. كما تعاونت الصين مع شركات أسترالية لتأمين فرص التعدين في الجزيرة.
في الوقت ذاته، تثير المعادن الأرضية النادرة اهتماماً كبيراً لدى الاتحاد الأوروبي، إذ يُدرج الاتحاد نحو 30 مادة خام أساسية لاقتصاداته، 25 منها موجودة في غرينلاند.
وفي غضون ذلك، أوضحت إدارة ترامب أن السيطرة على هذه المعادن قضية أمن قومي، وأن الرئيس يريد إبعادها عن الصين.
ويُقدّر أن أكثر من 60% من العناصر أو المعادن الأرضية النادرة تُستخرج حالياً في الصين، كما تُكرّر الصين نحو 90% من هذه العناصر.
ويمنح هذا التفوق الصين نفوذاً هائلاً في المفاوضات التجارية، ويشكل في الوقت نفسه نقطة ضعف خطيرة للولايات المتحدة وغيرها من الدول الساعية إلى تحديث اقتصاداتها.
في منشور على منصته الاجتماعية «تروث سوشال» بتاريخ الـ17 من يناير، كتب ترامب أنه قدم دعماً مالياً للدنمارك، ودول أخرى في الاتحاد الأوروبي من خلال عدم فرض رسوم جمركية عليها.
وكتب أنه ابتداءً مِن مطلع فبراير، ستخضع الصادرات إلى الولايات المتحدة، من الدنمارك، والنرويج، والسويد، وفرنسا، وألمانيا، والمملكة المتحدة، وهولندا، وفنلندا لضريبة 10%.
وقال ترامب: «في مطلع يونيو 2026، سترتفع الرسوم الجمركية إلى 25%»، مضيفاً: «ستظل هذه الرسوم مستحقة الدفع حتى يتم التوصل إلى اتفاق لشراء غرينلاند بالكامل».
قال عضو البرلمان الأوروبي الألماني ورئيس لجنة التجارة في البرلمان الأوروبي بيرند لانغ، بمنشور على منصة «إكس»: «يجب الآن استخدام أداة مكافحة الإكراه ACI، المصممة خصوصاً لمثل هذه الحالات».
وخلال اجتماع الاتحاد الأوروبي الطارئ يوم الأحد، طلب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من التكتل تفعيل آلية مكافحة الإكراه، المعروفة باسم «بازوكا التجارة».
بازوكا التجارة آلية قانونية اقترحها الاتحاد الأوروبي في أواخر 2021، وتم اعتمادها في عام 2023 لحماية الدول الأوروبية من الضغوط الاقتصادية من قبل الدول غير الأعضاء في الاتحاد الأوروبي.
وتتضمن هذه الإجراءات سلسلة تدابير، بما في ذلك فرض تعريفات جمركية انتقامية وزيادة القيود التجارية.
وفي حال تطبيقها على الولايات المتحدة، قد يُقيّد الاتحاد الأوروبي أو يمنع وصول السلع والخدمات والشركات الأميركية إلى سوقه الموحدة.
كما يمكن للاتحاد الأوروبي فرض قيود على الصادرات والواردات من خلال الحصص أو التراخيص.
إضافةً إلى ذلك، قد يفرض الاتحاد الأوروبي تدابير تُقيّد استخدام الولايات المتحدة للبنية التحتية المالية الموجودة في الاتحاد؛ ما يرفع تكاليف التمويل على البنوك والشركات الأميركية.
غرينلاند جزيرة قطبية قليلة السكان، يبلغ عدد سكانها 56 ألف نسمة، معظمهم من السكان الأصليين الإنويت. تقع جغرافياً في أميركا الشمالية، لكنها سياسياً جزء من الدنمارك؛ ما يجعلها جزءاً من أوروبا.
وانسحبت غرينلاند من المجموعة الأوروبية عام 1985 بعد حصولها على الحكم الذاتي، لكنها لا تزال تحتفظ بعلاقة خاصة مع الاتحاد الأوروبي كدولة وإقليم ما وراء البحار؛ ما يمنح سكانها وصولاً محدوداً إلى السوق الداخلية وجنسية الاتحاد الأوروبي عبر الدنمارك.
ويوفر موقعها بين المحيط المتجمد الشمالي والمحيط الأطلسي الشمالي أقصر الطرق الجوية والبحرية بين أميركا الشمالية وأوروبا؛ ما يجعلها ذات أهمية بالغة للعمليات العسكرية الأميركية وأنظمة الإنذار المبكر.
لا يوجد في غرينلاند سوى منجمين عاملين، أحدهما مشروع «تان بريز» في جنوب غرينلاند، وينتج 17 معدناً، من بينها التيربيوم والنيوديميوم.
وتُستخدم هذه المعادن في المغناطيسات عالية القوة والتقنيات الخضراء وصناعة الطائرات، بما في ذلك طائرات «إف-35».
في 2019، وخلال ولايته الأولى، أعرب الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن رغبته في شراء غرينلاند، التي كانت جزءاً من الدنمارك لنحو 300 عام، ورفض الدنماركيون والغرينلانديون العرض بسرعة في ذلك الوقت.
وصرّح ترامب على منصته الاجتماعية «تروث سوشال» في أواخر ديسمبر 2024 بأن سيطرة الولايات المتحدة على غرينلاند ضرورية لأغراض الأمن القومي.
واستمر الرئيس في الإصرار على مبررات الأمن القومي حتى يناير 2026، ورفض استبعاد استخدام القوة العسكرية للسيطرة على غرينلاند.
تحاول الولايات المتحدة إتمام هذه الصفقة منذ أكثر من 150 عاماً، وحاول عدد من الرؤساء الأميركيين تحقيق ذلك، لكن الرد كان دائماً بالرفض من الدنمارك.
وبعد شراء ألاسكا عام 1867، حاول وزير الخارجية ويليام سيوارد شراء غرينلاند من دون جدوى.
وفي عام 1946، عرض الرئيس هاري ترومان على الدنمارك 100 مليون دولار مقابل الجزيرة، لكن كوبنهاغن رفضت العرض.
وخلال الحرب العالمية الثانية، احتلت الولايات المتحدة الجزيرة وأنشأت منشآت عسكرية، ولا تزال تحتفظ بوجودها حتى اليوم في قاعدة بيتوفيك الفضائية.