جني الأرباح يضغط الأونصة قرب 4500 دولار
رهانات الفائدة والنفط يعيدان تشكيل السوق

تراجعت أسعار الذهب خلال تعاملات اليوم الجمعة، متجهة إلى تسجيل خسارة أسبوعية، بعدما فشل المعدن الأصفر في الحفاظ على مكاسبه فوق مستويات 4400 دولار، رغم وصوله في الجلسة السابقة إلى أعلى مستوى له في أكثر من شهرين.
ويبدو أن صعود الذهب القوي خلال الأيام الماضية بدأ يغير سلوك بعض المتعاملين، مع انتقال السوق من مطاردة المكاسب إلى جني الأرباح، خصوصاً بعدما اقترب السعر من منطقة مقاومة رئيسية، في وقت لم تقدم فيه بيانات التضخم الأميركية محفزاً جديداً بالقوة نفسها التي دفعت المعدن للصعود.
وتأتي هذه تحركات الذهب، اليوم بعدما حقق الذهب مكاسب قوية خلال الفترة الأخيرة، بدعم من تراجع توقعات رفع أسعار الفائدة الأميركية، ما جعل بعض المستثمرين أكثر ميلاً إلى تأمين الأرباح بدلاً من زيادة المراكز عند مستويات مرتفعة.
قال رئيس قسم الاقتصاد الكلي العالمي لدى «تيستي لايف»، إيليا سبيفاك: «هناك بعض رؤوس الأموال المؤقتة والأكثر ميلاً إلى المضاربة التي ربما تحقق بعض الأرباح من الذهب، لأنه لا يوجد أمامنا حالياً محفز قوي على المدى القريب».
وأضاف سبيفاك في مذكرة: «قد يكون الذهب يستعد، عبر مسار به بعض التقلبات في التداول، لارتفاع ملموس الآن. وإذا تمكنا من تجاوز 4400 دولار، فلا أعتقد أن بلوغ 5000 دولار بحلول نهاية العام الجاري يعد أمراً مستبعداً».
وتكشف هذه الرؤية عن تغير مهم في سلوك السوق؛ فالمضاربون الذين دخلوا خلال موجة الصعود الأخيرة يملكون الآن حافزاً أكبر لجني الأرباح، بينما يحتاج المستثمرون الجدد إلى محفز أقوى لتبرير الشراء عند المستويات الحالية.
تبدو منطقة 4500 دولار أكثر أهمية في تحديد اتجاه الذهب خلال المرحلة المقبلة، بعدما اقترب السعر منها مرتين وفشل في اختراقها بصورة مستدامة.
قال كبير المحللين لدى «ستون إكس»، بوب هابركورن: «يمثل مستوى 4500 نقطة مقاومة قوية للذهب. لقد لامسناه مرتين، ثم تراجع الذهب من ذلك المستوى. ويسود الحذر أوساط المتعاملين مع اقتراب الذهب من مستوى 4500 حالياً».
ويعني ذلك أن السوق قد تدخل مرحلة اختبار فني؛ فاختراق 4500 دولار قد يعيد المضاربين إلى السوق ويفتح الطريق أمام مستويات أعلى، بينما استمرار الفشل عندها قد يدفع مزيداً من المتعاملين إلى جني الأرباح.
كان تراجع توقعات رفع أسعار الفائدة الأميركية أحد أهم المحركات التي دعمت الذهب خلال الأيام الماضية، خصوصاً بعد بيانات الوظائف الضعيفة ثم تباطؤ التضخم.
وأظهرت بيانات أسعار المستهلكين ارتفاع التضخم الأميركي 3.4% خلال 12 شهراً حتى يوليو، مقارنة مع 3.5% في يونيو، بينما جاءت القراءة متوافقة مع توقعات الاقتصاديين.
كما استقرت أسعار المنتجين في يوليو، بعدما عوض انخفاض أسعار السلع ارتفاع تكاليف الخدمات، وهو ما أبقى الأسواق في حالة ترقب لمسار السياسة النقدية الأميركية.
وتشير أداة «فيد ووتش» التابعة لمجموعة «سي إم إي» إلى أن المتعاملين يرون حالياً احتمالاً يبلغ نحو 33% لرفع أسعار الفائدة في سبتمبر، مقارنة مع 55% قبل أسبوع.
يمنح تراجع توقعات رفع الفائدة الذهب دعماً نظرياً، لأن انخفاض أسعار الفائدة يقلل تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بمعدن لا يدر عائداً، لكن السوق تحتاج إلى محفزات إضافية حتى يتحول هذا الدعم إلى موجة صعود جديدة.
قال المحلل المستقل تاي وونغ: «حقق الذهب ارتفاعاً قوياً بنحو 9% خلال أسبوع، بدعم من مشتريات صينية ومشتريات المستثمرين الأفراد، ونشهد الآن بعض جني الأرباح قرب المتوسط المتحرك لمئة يوم».
وهذا يفسر جزئياً لماذا لم تؤدِ بيانات التضخم الضعيفة إلى استمرار الصعود؛ فقد يكون جزء كبير من الرهان على تراجع الفائدة قد انعكس بالفعل في الأسعار، بينما يبحث المتداولون الآن عن عامل جديد يدفع الذهب إلى ما بعد منطقة المقاومة.
يرى كبير المحللين لدى «ستون إكس» أن المعادلة لا تخلو من خطر معاكس، إذ قد يؤدي استمرار ارتفاع أسعار الطاقة إلى إعادة الضغوط التضخمية إلى الاقتصاد الأميركي، خصوصاً إذا طال أمد اضطرابات الإمدادات المرتبطة بالحرب والحصار على إيران.
وتراجعت أسعار النفط خلال تعاملات الخميس، مع تقييم المستثمرين لاحتمالات ضعف الطلب العالمي، لكن استمرار المخاطر الجيوسياسية يبقي الطاقة عاملاً قادراً على تغيير توقعات التضخم والفائدة بسرعة.
قال هابركورن: «هنا تواجه السوق مفارقة واضحة؛ فالنفط المرتفع قد يدعم الذهب عبر زيادة المخاطر الجيوسياسية، لكنه في الوقت نفسه قد يضغط عليه إذا أعاد التضخم إلى الواجهة ودفع المستثمرين إلى إعادة تسعير مسار الفائدة».
لا تبدو معركة الذهب الحالية مرتبطة فقط بما إذا كان المعدن سيصعد أو يهبط، بل بقدرته على تحويل الارتفاع الأخير إلى اتجاه مستدام.
قال رئيس قسم الاقتصاد الكلي العالمي لدى «تيستي لايف»، إيليا سبيفاك: «إذا تجاوز الذهب 4400 دولار أولاً ثم نجح في اختراق 4500 دولار، فقد يعود المضاربون إلى مطاردة الأسعار، خصوصاً مع استمرار الرهانات على خفض الفائدة وتزايد المخاطر الجيوسياسية».
أما إذا فشل في تجاوز المقاومة، فقد يتحول الصعود السريع الأخير إلى فرصة لجني الأرباح، خصوصاً أن المعدن حقق مكاسب كبيرة خلال فترة قصيرة.
أصبحت المعادلة الجديدة للذهب أكثر تعقيداً؛ فالفائدة تميل إلى دعمه، والتوترات الجيوسياسية تمنحه علاوة مخاطر، لكن ارتفاع السعر نفسه يدفع المضاربين إلى تأمين أرباحهم.
وبينما يراهن بعض المستثمرين على إمكانية وصول الذهب إلى 5000 دولار، يرى آخرون أن المعدن يحتاج أولاً إلى تجاوز الحاجز النفسي والفني عند 4500 دولار لإثبات أن موجة الصعود لم تستنفد قوتها.
السؤال الآن ليس فقط إلى أين يمكن أن يصل الذهب، بل من سيقود حركته التالية: المستثمرون الذين يطاردون فرصة الصعود، أم المضاربون الذين بدأوا بالفعل في جني أرباح الموجة السابقة؟