logo
طاقة

حرب المضائق ونزيف المخزونات.. عندما يصبح الوقت أغلى من النفط

خسائر الإمدادات تتجاوز 2.6 مليار برميل منذ بداية الحرب

المخزونات الحكومية لا تكفي لسد فجوة الإمدادات سوى 180 يوماً

الصين تملك هامشاً أكبر للصمود.. والديزل يقترب من منطقة الخطر

حرب المضائق ونزيف المخزونات.. عندما يصبح الوقت أغلى من النفط
مضخة نفط تابعة لشركة «آي بي سي بتروليوم» خارج منطقة سودرون، قرب مدينة رانس الفرنسية، يوم 6 فبراير 2023.المصدر: رويترز
تاريخ النشر:

دخل سوق النفط مرحلة أكثر تعقيداً مع استمرار الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، وبقاء مضيقي هرمز وباب المندب مقيدين أمام حركة الناقلات، وسط تهديدات أميركية بإبقاء الحصار البحري على طهران لأجل غير مسمى.

ولم يعد السؤال الذي يشغل المتداولين هو فقط كم برميلاً يمكن أن يتوقف عن الوصول إلى السوق؟ بل أصبح أكثر صعوبة: كم من الوقت تستطيع المخزونات العالمية تعويض هذا النقص، ومن يملك القدرة الفعلية على إخراج النفط من الخزانات عندما تشتد الأزمة؟

تأتي هذه الحسابات في وقت فقد فيه السوق بالفعل أكثر من 2.6 مليار برميل من النفط منذ بداية الحرب، وفق تقديرات الرئيس التنفيذي لشركة «أرامكو» أمين الناصر، بينما تقدر «إينرجي أسبكتس» فجوة الإمدادات الحالية بنحو 5 ملايين برميل يومياً. 

أخبار ذات صلة

سفن تجارية وناقلات نفط تستعد لعبور مضيق هرمز، في 17 يونيو 2026

النفط على خطى المفاوضات.. هل دخل في حالة الجمود؟

المخزونات تحت الاختبار

وفقاً لتقديرات الرئيس التنفيذي لشركة «أرامكو»، فإن خسارة 2.6 مليار برميل منذ اندلاع الحرب تمثل أحد أكبر اضطرابات الإمدادات في تاريخ سوق النفط من حيث الحجم التراكمي، ولا يتجاوزها في هذا المقياس سوى اضطراب الثورة الإيرانية عام 1979.

يعادل هذا الرقم نحو 25 يوماً من الاستهلاك العالمي، استناداً إلى طلب كان يبلغ نحو 103 ملايين برميل يومياً قبل الحرب، إلا أن انخفاض الاستهلاك العالمي خلال الأشهر الأخيرة، ولا سيما في الصين، خفف جزئياً من حجم الصدمة.

وتشير «إينرجي أسبكتس» إلى أن فجوة الإمدادات الحالية تدور حول 5 ملايين برميل يومياً، بينما تشير «أرامكو» إلى خسارة أكبر بكثير من إمدادات الخليج، ما يعكس اتساع الفجوة بين حجم النفط المتوقف عن التدفق والكمية التي يحتاجها السوق فعلياً.

180 يوماً

كانت وكالة الطاقة الدولية اتخذت في مارس خطوة استثنائية بإتاحة 400 مليون برميل من الاحتياطيات الطارئة، في أكبر تحرك من نوعه في تاريخ الوكالة، بهدف تخفيف أثر اضطرابات سوق النفط الناتجة عن الحرب.

وتشير التقديرات إلى أن إجمالي المخزونات التي تشمل الاحتياطيات الحكومية والتجارية لدى دول الوكالة يبلغ نحو 1.5 مليار برميل، وهو ما يبدو للوهلة الأولى كافياً لتغطية فجوة قدرها 5 ملايين برميل يومياً لنحو 300 يوم.

لكن الحساب يتغير عندما يُطرح منه النفط التجاري الذي لا تستطيع الوكالة إجبار الشركات على سحبه؛ إذ ينخفض المخزون الحكومي المتاح للطوارئ إلى نحو 0.9 مليار برميل، بما يكفي لتغطية الفجوة الحالية لنحو 180 يوماً فقط. 

أخبار ذات صلة

خريطة MarineTraffic تعرض حركة النقل البحري شرق وغرب مضيق هرمز، تظهر خلو المضيق من سفن الشحن وناقلات النفط والغاز - 5 مارس 2026

هرمز يعيد تسعير الأسواق.. من النفط إلى الفائدة

ليس كل مخزون

تظهر المشكلة الأساسية بمعادلة الاحتياطيات في أن وجود النفط داخل الخزانات لا يعني بالضرورة إمكانية وصوله سريعاً إلى الأسواق التي تحتاج إليه.

فالنفط الموجود لدى شركات التكرير قد يكون مخصصاً للتشغيل، كما أن جزءاً من الكميات الموجودة على متن الناقلات قد يكون مباعاً بالفعل ومتجهاً إلى وجهته النهائية، وليس احتياطياً يمكن استخدامه لتعويض أي نقص مفاجئ.

وتقول وكالة الطاقة الدولية إن إجمالي المخزونات العالمية، بما فيها التجارية والاستراتيجية والموجودة لدى الصين وعلى متن الناقلات، يبدو عند مستويات مطمئنة نسبياً، لكن تركيب هذه المخزونات وقدرتها على الوصول إلى السوق يختلفان بصورة كبيرة.

واشنطن وبكين

تبدو الولايات المتحدة في وضع أكثر حساسية مما توحي به أرقام الاحتياطي النفطي الاستراتيجي وحدها، بعدما تراجعت مخزوناته إلى أدنى مستوياتها منذ عقود، فيما لا تزال البنية التحتية للمنشآت بحاجة إلى استثمارات وصيانة.

وحذر مكتب المساءلة الحكومية الأميركي من استمرار تحديات البنية التحتية للاحتياطي، مؤكداً أن المنشآت تحتاج إلى تحديثات لضمان قدرتها على استقبال النفط وإخراجه عند الحاجة.

كما تشير تقديرات «رابيدان إينرجي» إلى أن مشكلات البنية التحتية تعني عملياً عدم إمكانية الوصول إلى أكثر من 100 مليون برميل من المخزون، بينما قد لا يتجاوز النفط القابل للسحب فعلياً نحو 200 مليون برميل.

خلال حفر شركة "الحفر العراقية" بئراً نفطياً بعمق 2419 مترا
خلال حفر شركة "الحفر العراقية" بئراً نفطياً بعمق 2419 متراالمصدر: بيان للشركة

40 يوماً

إذا صحت هذه التقديرات، فإن المخزون الأميركي القابل للاستخدام لن يكون كافياً لتغطية فجوة إمدادات عالمية تبلغ 5 ملايين برميل يومياً لأكثر من نحو 40 يوماً.

وقال محللو «رابيدان إينرجي» إن الولايات المتحدة تواجه معادلة صعبة بين استخدام الاحتياطي سريعاً لتهدئة السوق، والاحتفاظ بجزء منه لمواجهة أزمة أطول، خصوصاً أن الحرب لم تعد تبدو صدمة قصيرة يمكن تجاوزها بسحب واحد من المخزونات.

بدأت الولايات المتحدة بالفعل في مارس سحباً طارئاً من احتياطياتها ضمن الاستجابة الجماعية التي قادتها وكالة الطاقة الدولية، في وقت تؤكد فيه بيانات مكتب المساءلة الحكومية أن الاحتياطي تعرض خلال السنوات الماضية لسحوبات كبيرة ومتكررة.

وفق بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية، تراجعت مخزونات الطوارئ إلى ما دون 300 مليون برميل لأول مرة منذ أكثر من أربعة عقود، بينما بلغت مخزونات النفط الخام التجارية نحو 424.4 مليون برميل. 

أخبار ذات صلة

عودة علاوة المخاطر إلى برميل النفط، مع تجدد التصعد وغموض المشهد بشأن مصير الملاحة في مضيقي هرمز وباب المندب.

مع عودة علاوة المخاطر.. على أيّ المضيقين يراهن النفط؟

بكين تملك الوقت

في المقابل، تبدو الصين في وضع أكثر راحة نسبياً، بفضل سنوات من بناء مخزونات ضخمة وعدم الإفصاح الكامل عن حجم احتياطياتها الاستراتيجية.

وتقدر «إينرجي أسبكتس» أن الصين كانت تمتلك نحو 1.7 مليار برميل من النفط الخام في يوليو، بينما تتراوح تقديرات أخرى بين مليار و1.7 مليار برميل، إضافة إلى كميات غير معلنة من المنتجات النفطية والبتروكيماويات.

محللو «إينرجي أسبكتس» قالوا إن هذا الحجم يمكن الصين نظرياً من تعويض وارداتها التي كانت تمر عبر مضيق هرمز، والتي تقدر بنحو 5.5 مليون برميل يومياً، لما يقرب من عام، ما يمنحها هامشاً زمنياً أكبر بكثير من معظم الاقتصادات الكبرى.

لكن بكين ليست بمنأى عن الأزمة؛ فقد بدأت بالفعل في سحب بعض المخزونات التجارية لمواجهة صدمة الإمدادات، فيما لجأت إلى خفض تشغيل المصافي وقيود على استهلاك الوقود والواردات للتخفيف من أثر الحرب.

المشكلة الأخطر

المشكلة الأخطر قد لا تظهر أولاً في خام النفط، وإنما في المنتجات المكررة، خصوصاً الديزل ووقود الطائرات.

وتشير تقديرات «مورغان ستانلي» إلى أن المخزونات العالمية من الديزل ووقود الطائرات هبطت إلى أدنى مستوياتها في خمس سنوات، في وقت تعرضت فيه مصافي تكرير في الشرق الأوسط وروسيا لأضرار واضطرابات مرتبطة بالحرب.

كذلك قال محلل بنك «دي بي إس» سورفو ساركار في مذكرة إن الحروب ألحقت أضراراً بالغة بمصافي التكرير، وأثرت بصورة خاصة في الديزل ووقود الطائرات. 

أخبار ذات صلة

أوراق نقدية من فئة الدولار الأميركي ضمن صورة توضيحية ملتقطة يوم 17 يوليو 2022.

الدولار يراهن على الحرب.. كيف أنقذته طهران؟

مصافي الضغط

تضيف أزمة المضائق طبقة أخرى إلى المشكلة؛ فحتى إذا كان الخام موجوداً في مناطق الإنتاج، فإن القدرة على نقله إلى المصافي والأسواق النهائية أصبحت موضع شك.

قال ساركار إن التطورات الأخيرة في المنطقة دفعت بعض الشركات إلى البحث عن مسارات بديلة للشحن، فيما لجأت «أدنوك» إلى ترتيبات نقل أكثر مرونة لتقليل الاعتماد على المرور المباشر عبر هرمز.

وعرضت «توتسا»، ذراع التداول التابعة لشركة «توتال إينرجيز»، خاماً عراقياً للتحميل من مواقع خارج المضيق بسبب مخاطر الملاحة.

بالمقابل قال ساركار إن الأزمة لم تعد مجرد نقص في البراميل، بل أصبحت أيضاً أزمة في القدرة على إيصال البرميل إلى المكان الذي يحتاج إليه.

عض الأصابع

قال محلل «إينرجي أسبكتس» كريستيان إيغلاند في مذكرة للعملاء إن من غير المرجح أن تقدم وكالة الطاقة الدولية على سحب جديد من الاحتياطيات، نظراً إلى محدودية المخزونات المتبقية لدى العديد من الدول.

وقال محللو «كابيتال إيكونوميكس» في مذكرة إن انخفاض المخزونات قلل القدرة على مواجهة صدمات العرض، وجعل سوق النفط أكثر عرضة لارتفاعات حادة في الأسعار.

تكتسب هذه التحذيرات أهمية أكبر لأن وكالة الطاقة الدولية تتوقع انخفاض المعروض العالمي من النفط بنحو 4.3 مليون برميل يومياً، أو 4% خلال 2026، بينما تتوقع انكماش الطلب العالمي بنحو 1.6 مليون برميل يومياً.

جانب من منشأة نفطية إيرانية، 25 يونيو 2025
جانب من منشأة نفطية إيرانية، 25 يونيو 2025المصدر: رويترز

معركة الوقت

لكن السوق تواجه مفارقة صعبة؛ فالحرب تضرب الإمدادات وترفع علاوة المخاطر، بينما يؤدي ارتفاع الأسعار واضطراب الاقتصاد إلى تدمير جزء من الطلب.

وخفضت منظمة البلدان المصدرة للبترول «أوبك» توقعاتها لنمو الطلب العالمي على النفط في 2026 إلى 580 ألف برميل يومياً، في حين تتوقع وكالة الطاقة الدولية انكماش الاستهلاك، ما يعني أن ارتفاع الأسعار قد يحمل في داخله الآلية التي تحد من قدرته على الارتفاع أكثر.

من جانبه يرى إيغلاند أن المخزونات تتحول هنا إلى سباق مع الزمن؛ فإذا طال الحصار، يمكن للسحوبات أن تمنح السوق وقتاً، لكنها لا تستطيع خلق نفط جديد، وإذا استمرت اضطرابات المصافي والشحن، فإن المشكلة ستنتقل تدريجياً من نقص الخام إلى نقص المنتجات. 

أخبار ذات صلة

الدولار يرتفع رغم توسيع النفط خسائره نزولا إلى مستويات قرب 98 دولار

النفط والمستقبل الغامض.. هل تبدأ حرب النفس الأطول؟

logo
اشترك في نشرتنا الإلكترونية
تابعونا على
تحميل تطبيق الهاتف