تفاؤل بشأن نتائج واستثمارات شركات الرقائق
وول ستريت تتحرك عند مستويات قياسية

ارتفعت الأسهم الآسيوية خلال التعاملات المبكرة، اليوم الجمعة، مقتفية أثر الارتفاعات القياسية لنظيرتها في وول ستريت، في وقتٍ تستمر فيه حرب التصريحات والتصعيد بين واشنطن وطهران.
وعزز ارتفاع الأسواق تراجع توقعات رفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي «البنك المركزي الأميركي» أسعار الفائدة في المدى القريب، بعد بيانات أسعار المنتجين في الولايات المتحدة، مما دعم شهية المخاطرة.
في حين يظل تأثير النفط حاضراً على البورصات والأسواق إجمالاً، إذ قد يمتد إلى السياسة النقدية الأميركية إذا استمرت الأسعار في الارتفاع؛ فارتفاع تكلفة الوقود يهدد بإبقاء التضخم أعلى لفترة أطول، ما قد يدفع المستثمرين إلى إعادة بناء رهاناتهم على الفائدة.
سجلت أسعار النفط ارتفاعاً طفيفاً بعد أن هددت الولايات المتحدة بإبقاء الحصار البحري على إيران لأجل غير مسمى، مما أدى إلى تجدد المخاوف بشأن إمدادات النفط الخام، وذلك بعد أن تراجعت الأسعار في الجلسة السابقة على خلفية توقعات بضعف الطلب العالمي.
واستقرت أسعار المنتجين في الولايات المتحدة في يوليو، بعد أن عوض انخفاض أسعار السلع ارتفاعاً طفيفاً في تكلفة الخدمات، كما زاد عدد المتقدمين بطلبات جديدة للحصول على إعانات البطالة بشكل معتدل الأسبوع الماضي.
لا تزال بيانات التضخم تمنح الأسهم مساحة للتحرك صعوداً، لكن ارتفاع أسعار النفط بفعل الحرب قد يعيد الضغوط السعرية إلى الواجهة، ما يعني أن الأسواق لا تستطيع الاحتفال بتراجع رهانات الفائدة من دون مراقبة مسار الطاقة.
ويرى محللون أن تراجع ضغوط التضخم يدعم الأسهم عبر خفض رهانات رفع الفائدة، لكن ارتفاع النفط بسبب الحرب قد يعيد الضغوط التضخمية ويحد من هذا التفاؤل.
وتمنح الفائدة الأسهم مساحة للصعود، والرقائق تمنحها القوة، بينما يظل النفط العامل القادر على قلب المعادلة إذا طال حصار المضائق.
وتضع هذه المعادلة المستثمرين أمام مفارقة؛ فضعف التضخم يدعم الأسهم، بينما قد يؤدي ارتفاع النفط لفترة أطول إلى تعقيد مهمة الفيدرالي وإعادة تسعير توقعات الفائدة.
قال الرئيس التنفيذي لشركة «إنفراستركتشر كابيتال أدفايزرز»، جاي هاتفيلد، في مذكرة: «لا يتعلق صعود أسهم الرقائق هذه المرة بتحسن نتائج الشركات فقط، بل بتوقعات استمرار الإنفاق الضخم على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، وهو ما يمنح شركات أشباه الموصلات دوراً أكبر في قيادة مؤشرات الأسهم الأميركية».
وتراقب الأسواق قدرة شركات التكنولوجيا الكبرى على مواصلة الإنفاق على مراكز البيانات والرقائق، خصوصاً مع ارتفاع التقييمات وتزايد الأسئلة بشأن المدة التي يمكن أن تستمر فيها دورة الاستثمار الحالية.
وانتقلت شهية المخاطرة من وول ستريت إلى الأسواق الآسيوية، مع استفادة الأسهم المرتبطة بالتكنولوجيا من تحسن توقعات الإنفاق على الرقائق والذكاء الاصطناعي، بينما ساعد تراجع رهانات الفائدة الأميركية على دعم الأصول عالية المخاطر.
بلغ المؤشر «ستاندرد آند بورز 500» مستوى قياسياً مرتفعاً عند الإغلاق، أمس الخميس، بدعم من صعود أسهم شركة «سانديسك» وشركات التكنولوجيا الكبرى، وتراجع توقعات رفع أسعار الفائدة في وقت قريب.
قال محللو «بنك أوف أميركا»: «أسهمت توقعات قوية أصدرتها شركات مثل «مايكروسوفت» و«أمازون» خلال الأسابيع القليلة الماضية في تهدئة قلق المستثمرين بشأن الإنفاق الضخم على مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي».
وقال الرئيس التنفيذي لشركة «إنفراستركتشر كابيتال أدفايزرز»، جاي هاتفيلد: «تتواصل طفرة أسهم التكنولوجيا المدفوعة بالأرباح القوية لشركات الذكاء الاصطناعي، طفرة قائمة على الأرباح، وليست فقاعة».
وتكشف المكاسب القياسية أن وول ستريت لا تزال تملك اليد العليا في تحديد اتجاه شهية المخاطرة عالمياً، لكن اتساع الصعود يعتمد بصورة متزايدة على استمرار قوة أرباح التكنولوجيا وعدم عودة التضخم إلى الضغط على توقعات الفائدة.
وهذا يجعل البيانات الاقتصادية وأسهم الرقائق أكثر ترابطاً؛ فكلما تراجعت مخاوف التضخم، حصلت التكنولوجيا على مساحة أكبر للصعود، بينما قد يعكس النفط هذه المعادلة إذا استمرت علاوة المخاطر المرتبطة بالحرب.
وقال كبير خبراء الاستثمار في «فان لانشوت كيمبن إنفستمنت مانجمنت»، جوست فان ليندرز: «تبدو الأسهم الأوروبية في وضع أكثر حساسية من نظيرتها الأميركية؛ فالأرباح تمنحها دعماً، لكن اعتماد اقتصادات المنطقة بدرجة أكبر على الطاقة يجعل استمرار ارتفاع النفط ومخاطر اضطراب الإمدادات عاملاً قادراً على تقليص هذا التفاؤل».
لم تشهد الأسهم الأوروبية تحركات كبرى أمس، في وقت يترقب فيه المستثمرون صدور بيانات عن التضخم في منطقة اليورو بعد موسم قوي لإعلان نتائج أعمال الشركات، لكن انخفاض أسعار السلع الأولية ضغط على أسهم شركات الطاقة والتعدين.
وأغلق المؤشر «ستوكس 600» الأوروبي دون تغير يذكر، مسجلاً 659.24 نقطة، في حين تباين أداء المؤشرات الرئيسية مع تحركات هامشية.
كتب ليندرز في مذكرة للمستثمرين: «هناك بالتأكيد تغيير كبير في وضع الأرباح مقارنة بما شهدناه في السنوات السابقة، وهذا يشكل محركاً قوياً للغاية للأسهم الأوروبية».
وأضاف ليندرز: «تتجه الشركات في المنطقة نحو تحقيق أحد أقوى مواسم إعلان النتائج المالية منذ سنوات، إذ زادت أرباح شركات قطاع الطاقة والمواد الخام بدفعة من ارتفاع أسعار السلع الأولية بسبب الأزمة في الشرق الأوسط».
وتابع ليندرز: «لكن ثقة المستثمرين ظلت متأثرة سلباً بحالة الضبابية المحيطة بالأزمة في الشرق الأوسط، حيث تتنازع الولايات المتحدة وإيران على السيطرة على مضيق هرمز، وهو ممر مائي حيوي لإمدادات الطاقة العالمية».
لكن استمرار موجة الصعود يحتاج إلى اجتماع ثلاثة شروط في وقت واحد: بقاء التضخم تحت السيطرة، استمرار أرباح شركات التكنولوجيا في تبرير تقييماتها، وعدم تحول ارتفاع النفط إلى صدمة تضخمية جديدة. وأي اختلال في هذه المعادلة قد يعيد ترتيب قيادة الأسواق سريعاً.
في الوقت الحالي، تبدو الرقائق صاحبة أقوى زخم، والبيانات الاقتصادية صاحبة أكبر تأثير في توقعات الفائدة، بينما يمثل النفط الخطر الأكبر على استمرار موجة الصعود إذا طال أمد الحرب والحصار.
وبين هذه القوى الثلاث، تحاول الأسواق الإجابة عن السؤال الأصعب: هل تستطيع أرباح التكنولوجيا وتراجع رهانات الفائدة التغلب على مخاطر النفط والجغرافيا السياسية، أم أن برميل الخام سيعيد كتابة قصة البورصات من جديد؟