
رغم تصاعد التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط مع التصعيد الإيراني الإسرائيلي في مارس 2026، يطرح المستثمرون سؤالًا حاسماً: هل تتأثر سوق العقارات في دبي بالحرب؟.
الأرقام حتى الآن تعطي إجابة واضحة: السوق لا تزال تحافظ على زخمها، مدعومة بطلب قوي وسيولة مرتفعة، ما يعزز مكانة دبي كواحدة من أبرز وجهات الاستثمار العقاري الآمن عالمياً.
تُظهر بيانات دائرة الأراضي والأملاك في دبي، المستندة إلى تطبيق «دبي ريست» (Dubai REST)، استمرار النشاط القوي في السوق العقاري رغم التوترات.
ففي الأسبوع المنتهي في 6 مارس، بلغت قيمة التصرفات العقارية نحو 11.86 مليار درهم (3.2 مليار دولار) عبر 3437 معاملة، منها مبيعات بقيمة 8.48 مليار درهم.
وفي الأسبوع التالي، قفزت التداولات إلى 16.63 مليار درهم عبر 4819 معاملة، بينما وصلت المبيعات إلى 12.24 مليار درهم، بزيادة تتجاوز 40% أسبوعياً.
ولا يقتصر الزخم على مارس فقط، إذ سجّلت دبي خلال فبراير 2026 نحو 60.6 مليار درهم في المبيعات، ما يؤكد أن سوق العقارات في دبي 2026 بدأت العام بزخم قوي.
قالت تاتيانا تونو، الرئيس التنفيذي لشركة «أوبجكت ون» للتطوير العقاري، في حديث إلى «إرم بزنس»، إن «سوق العقارات في دبي تظهر مرونة حقيقية وليست مجرد إنكار للواقع، والأرقام تعكس سوقاً دخلت هذه المرحلة بزخم قوي، والطلب اليوم يكتسب طابعاً هيكلياً متزايداً».
تعزز بيانات الإيجارات هذه القراءة، إذ ارتفعت عقود الإيجار في دبي خلال 2025 بنسبة 6% بالحجم و17% بالقيمة لتصل إلى 1.38 مليون عقد بقيمة 126.4 مليار درهم، ما يشير إلى أن الطلب يعتمد بدرجة كبيرة على الاستخدام الفعلي للسكن والعمل، وليس على المضاربة قصيرة الأجل.
تكشف بيانات مارس أيضاً عن تغير نسبي في سلوك المستثمرين، مع ميل متزايد نحو العقارات الجاهزة مقارنة بالمشاريع على المخطط. ففي الأسبوع الأول من الشهر بلغت مبيعات العقارات على المخطط 4.81 مليار درهم مقابل 3.67 مليار للجاهزة، قبل أن تنعكس الصورة في الأسبوع التالي مع ارتفاع المبيعات الجاهزة إلى 7.06 مليار درهم مقابل 5.19 مليار للمخطط. ويعكس هذا التحوّل توجه المستثمرين نحو تقليل المخاطر في فترات عدم اليقين.
في هذا الإطار، قال لويس هاردينغ، الرئيس التنفيذي لشركة «بيترهومز»، إن المزاج العام في السوق هو «الانتظار والترقب»، موضحاً أن المستثمرين «يأخذون وقتاً أطول قبل اتخاذ القرار، لكن الاهتمام بالسوق لا يزال قائماً».
كما أشار فاروق سيد، الرئيس التنفيذي لشركة «سبرينغفيلد بروبرتيز»، إلى أن تأثير التوترات الحالية قد يكون مؤقتاً، مؤكدًا أن «الأساسيات طويلة الأجل للسوق ما زالت قوية».
رغم التوترات الإقليمية، واصل القطاع الفاخر تسجيل صفقات لافتة، إذ بيعت شقة على المخطط بقيمة 422 مليون درهم، في واحدة من أعلى الصفقات في تاريخ السوق، إلى جانب صفقة فيلا بقيمة 220 مليون درهم في مشروع «أمالي» بجزر العالم، وصفقة شقة بقيمة 92.5 مليون درهم في مشروع «أرماني بيتش ريزيدنسز» في نخلة جميرا.
وفي هذا السياق، أكد محمد العبار أن الوضع الحالي لم يُضعف الطلب، مشيراً إلى أن السوق لا تشهد ضغوطاً على الأسعار. وقال : «لا أحد يريد أن يتنازل، لا أحد يريد أن يقدم خصماً.. لا، لست قلقاً على الإطلاق»، مضيفاً أن ثقة المستهلكين قد تتأثر بشكل طفيف في فترات عدم اليقين لكنها تعود بسرعة.
من جانبه، قال الخبير الاقتصادي الإماراتي محمد القمزي إن استمرار هذه الصفقات يعكس ثقة المستثمرين في السوق العقارية بدبي، مشيراً إلى أن الطلب لا يزال قوياً، خصوصاً في المناطق الفاخرة، وأن المستثمرين الدوليين ينظرون إلى دبي باعتبارها ملاذاً آمناً بفضل العوائد المرتفعة والضرائب المنخفضة وسهولة التملك.
تستند جاذبية السوق أيضاً إلى مزايا تنافسية واضحة، إذ تتراوح العوائد الإيجارية بين 6% و9% سنوياً، مقارنة بمستويات أقل في مدن عالمية مثل لندن ونيويورك، إضافة إلى رسوم تسجيل منخفضة تبلغ نحو 4%، وعدم فرض ضريبة دخل شخصي.
وفي هذا السياق، أوضحت تاتيانا تونو أن هذه العوامل تكتسب أهمية أكبر في أوقات التوترات العالمية، مشيرة إلى أن «المستثمرين يقارنون بين الأسواق من حيث العائد والمرونة والسياسات التنظيمية، وليس فقط من حيث الموقع».
من جهته، قال خالد الأميري، الرئيس التنفيذي لمنصة «بيد بايت» (BidBayt)، إن قوة السوق وارتفاع مستوى السيولة فيه يجعلان من الصعب رصد تأثيرات سلبية واضحة في هذه المرحلة. وأضاف أن «عمق السوق يسمح لها بامتصاص التقلبات قصيرة الأجل».
قبل اندلاع التوترات، كانت السوق تسجل واحدة من أقوى دوراتها، إذ أظهرت بيانات الربع الرابع من 2025 ارتفاع أسعار البيع السكني بنسبة 13% على أساس سنوي، فيما ارتفعت الإيجارات بنسبة 6%، وهو ما يوفر قاعدة صلبة تدعم استقرار السوق.
تعتمد مسارات السوق خلال الفترة المقبلة على تطورات المشهد الجيوسياسي. ففي حال احتواء التوترات سريعاً، يُتوقع استمرار الزخم وعودة قوية للمشاريع على المخطط، بينما قد يؤدي استمرار حالة عدم اليقين إلى تباطؤ مؤقت وزيادة مرونة المطورين في خطط الدفع. أما في سيناريو التصعيد الأوسع، فقد تظهر ضغوط سعرية متفاوتة.
قال رايان ليمان، إن الاستثمار العقاري يعتمد بشكل أساسي على الثقة والرؤية الواضحة، مشيراً إلى أن «هذه العوامل قد تتأثر مؤقتاً، لكنها تعود بقوة مع استقرار الأوضاع».
بشكل عام، لا تشير البيانات حتى منتصف مارس 2026 إلى تراجع في سوق العقارات في دبي، بل إلى مرحلة إعادة تموضع أكثر حذراً، حيث أصبح المستثمرون أكثر انتقائية مع استمرار الطلب، خصوصاً في القطاعات ذات الجودة العالية والمواقع المتميزة. وتبقى الأساسيات القوية للاقتصاد الإماراتي وتدفقات رؤوس الأموال الأجنبية، عاملين رئيسيين يدعمان استمرار جاذبية السوق في المرحلة المقبلة.