خروج المضاربين وهدوء الاستثمار بالقطاع يعيدان تشكيل الطلب في السوق
3.4 تريليون جنيه مبيعات متوقعة للقطاع بنهاية 2026

تشهد أسعار الوحدات السكنية في مصر ارتفاعات تتراوح بين 15% و20% على الأقل خلال النصف الأول من العام الحالي، رغم الاستقرار النسبي للطلب على العقارات منذ بداية العام، وثبات معدلات الفائدة عند مستوى 20% منذ فبراير الماضي، وهدوء وتيرة زيادات مواد البناء.
توقع خبراء تحدثوا مع «إرم بزنس» استمرار الزيادات السعرية خلال النصف الثاني من العام الحالي، مع تزايد المؤشرات على تحسّن مستويات الطلب خلال الربع الثالث تحديداً، خاصة في المدن الساحلية، بالتزامن مع فترة الإجازات للعاملين بالخارج وارتفاع النشاط في منطقة الساحل الشمالي.
وتثير الزيادات التي شهدتها أسعار العقارات المصرية خلال الفترة الماضية، والمتوقعة خلال الفترة المقبلة، تساؤلات حول المحرك الرئيسي لرفع أسعار الوحدات السكنية، إذا لم يكن ارتفاع الطلب أو زيادة تكاليف التمويل ومواد البناء.
قال الخبير العقاري عبد الرحمن خليل، إن أسعار العقارات في مصر ارتفعت بنحو 15% في المتوسط على مستوى السوق بالكامل خلال النصف الأول من العام الحالي، مع وجود تفاوت واضح في معدلات الزيادة بين منطقة وأخرى وفقاً لمستويات الطلب.
وأوضح لـ«إرم بزنس» أن بعض المناطق، وفي مقدمتها غرب القاهرة والساحل الشمالي، سجلت زيادات أكبر من المتوسط، فيما شهدت مناطق أخرى زيادات أقل نسبياً.
ورأى خليل أن منطقة غرب القاهرة تصدرت المناطق من حيث معدلات ارتفاع الأسعار منذ بداية 2026، بزيادة قد تصل إلى نحو 20%، مدفوعة بالإقبال المتزايد على المنطقة، بالتزامن مع تنامي النشاط السياحي والاستثماري بها بعد افتتاح المتحف المصري الكبير.
وأضاف أن الساحل الشمالي جاء في المرتبة الثانية، مسجلاً زيادات تراوحت بين 15% و20%، في ظل البداية المبكرة والقوية للموسم الصيفي، واستمرار الإقبال على المشروعات الساحلية.
واعتبر خليل أن منطقة شرق القاهرة، وخاصة التجمع الخامس، شهدت زيادات سعرية أقل، حيث تراوحت في المتوسط بين 10% و12%، بعدما شهدت المنطقة طفرات سعرية قوية خلال السنوات الماضية.
وأشار إلى أن منطقة البحر الأحمر ومشروعاتها سجلت معدلات زيادة قريبة نسبياً من منطقة شرق القاهرة، متوقعاً ارتفاع نسبة الزيادة تدريجياً مع تنامي الطلب.
رأى خليل أن السوق العقارية المصرية لا تتحرك بوتيرة واحدة، إذ تشهد بعض المناطق تباطؤاً نسبياً في المبيعات، بينما تحافظ مناطق أخرى على قوة الطلب، وهو ما يجعل من الصعب وصف السوق بالكامل بأنها تمر بحالة تباطؤ أو تسارع.
وقال إن مبيعات الشركات في غرب القاهرة والساحل الشمالي تبدو قوية، وتتحرك بوتيرة مماثلة للعام الماضي أو أعلى قليلاً، في حين شهدت بعض الشركات العاملة في منطقة التجمع تباطؤاً نسبياً مقارنة بالعام السابق.
وأضاف أن هناك مؤشرات على استمرار قوة الطلب في بعض المشروعات، حيث يتم بيع الوحدات المطروحة في مراحل جديدة خلال فترات قصيرة، كما تواصل شركات الوساطة العقارية تسجيل مبيعات جيدة، بما يعكس استمرار وجود طلب فعلي في السوق، وإن كان موزعاً بصورة غير متساوية بين المناطق والمشروعات.
من جانبه، قال رئيس لجنة التطوير العقاري بجمعية رجال الأعمال المصريين، فتح الله فوزي، إن السوق العقاري المصري شهدت حالة من الاستقرار على مستويات الطلب والأسعار والمبيعات خلال النصف الأول من العام الحالي.
وأوضح فوزي لـ«إرم بزنس» أن مؤشرات الربع الثالث من العام الحالي ستكون أكثر وضوحاً في تحديد حركة السوق بشكل عام، باعتبار أن فصل الصيف يعد موسم الرواج لمبيعات القطاع.
وتوقع فوزي أن تشهد السوق العقاري نمواً جيداً خلال الربع الثالث مدفوعة بعودة المصريين العاملين بالخارج خلال موسم الصيف، إلى جانب زيادة حركة الأجانب والمتعاملين مع منطقة الساحل الشمالي، بما قد يدعم المبيعات والطلب على الوحدات العقارية خلال الفترة المقبلة.
أشار فوزي إلى تراجع الطلب الاستثماري والمضاربات في السوق العقاري بشكل ملحوظ خلال النصف الأول من العام الحالي.
وقال إن الطلب الحالي في السوق أصبح موجهاً بدرجة أكبر إلى أغراض السكن والاستخدام الفعلي، موضحاً أن المستثمرين والمضاربين الذين كانوا يشترون بهدف إعادة البيع وتحقيق أرباح من فروق الأسعار خرج جزء كبير منهم من السوق، وهو الأمر الذي أعاد قدراً من الانضباط للقطاع.
رأى فوزي أن معدلات الفائدة في بلاده لا تزال مرتفعة، رغم التراجع الذي شهدته خلال الأشهر الماضية واستقرارها منذ شهر فبراير الماضي.
وأضاف أن أسعار العقارات كانت ستتفاعل مع تراجع أسعار الفائدة في مصر، لكن التوترات الجيوسياسية والحرب في المنطقة دفعت البنك المركزي إلى تثبيت أسعار الفائدة، بعدما كانت التوقعات تشير إلى إمكانية مواصلة خفضها.
وفي بداية يوليو الحالي، قرر البنك المركزي المصري، الإبقاء على أسعار الفائدة الأساسية عند 19% و20% للإيداع والإقراض للمرة الثالثة على التوالي، في خطوة تعكس استمرار نهجه الحذر لمواجهة الضغوط التضخمية والتحديات الاقتصادية المحلية والعالمية.
بدوره قال خليل إن تحركات سعر الدولار خلال النصف الأول من العام الحالي، وتحديداً عقب الحرب الإيرانية، أثرت بالفعل على تكاليف بعض مدخلات البناء، لكنها لم تكن بالحدة الكافية لتفسير الارتفاعات السعرية الكبيرة التي شهدتها أسعار العقارات.
واعتبر خليل أن الزيادة في تكاليف الإنشاء خلال الفترة الأخيرة كانت محدودة نسبياً، ولم تشهد القفزات الكبيرة التي سجلتها السنوات السابقة، موضحاً أن بعض مواد البناء ارتفعت أسعارها بنسب تتراوح بين 5% و7%.
وأضاف أن هذه الزيادات المحدودة في التكلفة لا تفسر وحدها الارتفاعات السعرية التي شهدتها بعض المناطق، مشيراً إلى أن العامل الأهم خلال الفترة الحالية يتمثل في حركة العرض والطلب وتفاوت مستويات الإقبال بين المناطق.
ورفعت تداعيات الحرب الإيرانية سعر الدولار في مصر إلى مستوى يلامس 55 جنيهاً في نهاية مارس الماضي مقابل 47.5 جنيه في فبراير السابق له، قبل أن يعود تدريجياً إلى نطاق قريب من 50 جنيهاً حالياً.
أشار خليل إلى أن تأثير الحرب الإيرانية وتداعياتها على السوق العقاري في مصر يمكن وصفه بالمتوازن، إذ خلقت حالة من القلق لدى بعض المستثمرين والمشترين، لكنها في المقابل دفعت شريحة أخرى إلى زيادة الإقبال على الاستثمار العقاري باعتباره ملاذاً أكثر أمناً في ظل عدم الاستقرار الإقليمي.
وأوضح أن المصريين العاملين بالخارج يمثلون شريحة رئيسية من عملاء السوق العقاري في مصر، وتتراوح نسبتهم في كثير من الشركات بين الثلث والنصف من إجمالي العملاء، إلى جانب المستثمرين العرب والأجانب، خاصة من دول الخليج.
وأضاف أن التطورات الأخيرة في المنطقة دفعت بعض المصريين المقيمين في الخليج إلى إعادة التفكير في استثماراتهم وأماكن إقامتهم، مع تنامي أهمية عنصر الأمان في قرارات الاستثمار، وهو ما قد يدفع بعضهم إلى شراء وحدات في مصر تحسباً لأي تطورات مستقبلية.
وقال خليل إن التوترات الإقليمية قد تكون عززت الطلب على العقار المصري لدى بعض المشترين، باعتباره أصلاً موجوداً في دولة أكثر استقراراً نسبياً مقارنة ببعض أسواق المنطقة.
إلى ذلك توقع خليل ارتفاع مبيعات السوق العقاري المصري إلى 3.4 تريليون جنيه بنهاية العام الحالي، بزيادة 10% مقارنة بالمستويات المسجلة العام الماضي.
ورأى خليل أن ارتفاع مبيعات العقارات لا يعني بالضرورة أن الأثر الاقتصادي للقطاع إيجابي بالكامل، موضحاً أن نمو المبيعات يفرض على المطورين زيادة الإنفاق على البناء والتشييد، في وقت لا تزال فيه نسبة كبيرة من مكونات البناء تعتمد على الاستيراد.
وأوضح أن الشركات التي تبيع وحدات بقيمة تقترب من 3 تريليونات جنيه، تحتاج في المقابل إلى ضخ استثمارات تصل إلى تريليون جنيه في أعمال الإنشاءات، وقد تمثل المكونات ذات التكلفة الدولارية نسبة كبيرة من تكلفة البناء، ما يفرض ضغوطاً على الطلب على العملة الأجنبية.