logo
اقتصاد

الزحف العمراني يلتهم مساحات تركيا الزراعية ويرفع فاتورة الغذاء

الزحف العمراني يلتهم مساحات تركيا الزراعية ويرفع فاتورة الغذاء
منظر جوي للأراضي التي تُزرع فيها القمح والشمندر، في «آيدن تبه»، تركيا، 14 ديسمبر 2023.المصدر: رويترز
تاريخ النشر:

تواجه تركيا أزمة متصاعدة في قطاع الأمن الغذائي جراء تسارع وتيرة فقدان الأراضي الزراعية المحيطة بالمدن الكبرى؛ حيث تدفع تكاليف الإنتاج المرتفعة والعوائد المالية المرتفعة من بيع الأراضي لشركات التطوير العقاري أعداداً متزايدة من المزارعين إلى التخلي عن أراضيهم، مما أسهم بشكل مباشر في تفاقم معدلات التضخم الغذائي في البلاد.

سجل مؤشر أسعار المستهلكين (CPI) في تركيا ارتفاعاً بنسبة 32% على أساس سنوي خلال أبريل الماضي. وسجل قطاع الأغذية والمشروبات غير الكحولية، الذي يشكل 24% من سلة التضخم، ارتفاعاً سنوياً بلغ 35%، إلى جانب زيادة شهرية بنسبة 4%، وهي الأعلى بين مكونات المؤشر.

أخبار ذات صلة

سفينة الحفر التركية «فاتح» تواصل عمليات الاستكشاف في البحر الأسود في تركيا، 2 نوفمبر 2023.

«الوطن الأزرق».. صراع الطاقة يضع تركيا في مواجهة قبرص واليونان

زحف عمراني وضغوط هيكلية على الاقتصاد التركي

لعبت العوامل الموسمية دوراً في هذه الطفرة السعرية، إلا أن إقدام ملاك المزارع القريبة من المدن الكبرى على بيع أراضيهم للمطورين العقاريين يمثل عاملاً هيكلياً طويل الأمد وراء ارتفاع تكاليف الغذاء في تركيا، بحسب بورشين كيساجيك أوغلو، الأستاذ المساعد في الاقتصاد بـ«جامعة بيلكنت» (Bilkent University) في أنقرة.

أشار كيساجيك أوغلو متحدثاً لموقع AGBI، إلى أن هذه المبيعات توفر للمزارعين عوائد مالية أعلى مقارنة بالنشاط الزراعي، الذي بات يواجه ضغوطاً متزايدة بفعل ارتفاع أسعار الوقود ونقص الأيدي العاملة.

وتتزامن هذه التحولات مع نمو ديموغرافي سريع تشهده أكبر خمس مدن تركية؛ حيث تظهر حسابات AGBI المستندة إلى منصة «مراجعة سكان العالم» (World Population Review) أن عدد سكان إسطنبول البالغ 16 مليون نسمة، وأنقرة 6 ملايين، وإزمير 4.5 مليون، وبورصة 3 ملايين، وأنطاليا 3 ملايين، قد ارتفع بمعدلات تراوحت بين الربع وأكثر من النصف منذ عام 2004.

انكماش المساحات المزروعة في تركيا بالأرقام

في مقابل هذا التمدد السكاني، شهدت المساحات المزروعة في المحافظات المحيطة بتلك المدن تراجعاً حاداً. فبين عامي 2004 و2025، خسرت أنقرة نحو 143 ألف هكتار من أراضيها الزراعية، أي ما يعادل 11%، فيما فقدت أنطاليا 64 ألف هكتار، وفق البيانات الحكومية.

وتوضح البيانات أن الجزء الأكبر من هذا الانخفاض تركز منذ عام 2015، بالتزامن مع تسارع التوسع العمراني وارتفاع أسعار العقارات. وبالمجمل، فقدت المحافظات الخمس ما مجموعه 3059 كيلومتراً مربعاً من الأراضي المزروعة خلال 21 عاماً، وهي مساحة تعادل نحو ثلاثة أرباع مساحة إمارة دبي.

كما يشير تقرير للأمم المتحدة صدر عام 2025 إلى أن تراجع الأراضي الزراعية في المناطق الحضرية وشبه الحضرية يعود إلى توسع الأنشطة غير الزراعية على حساب الاستخدام الزراعي للأراضي، ما أدى إلى زيادة الضغوط على الأراضي وارتفاع عوائد الإيجارات.

سلاسل التوريد التركية وكلفة نقل المنتجات

ترتبت على هذا التراجع تداعيات متعددة؛ إذ أدى تقليص المساحات المزروعة إلى انخفاض الإنتاج الزراعي وارتفاع الأسعار. وبناءً عليه، باتت المدن الكبرى، التي تمثل المستهلك الأكبر للخضروات والفواكه، تحصل على حصة متناقصة من الإمدادات القادمة من المزارع المجاورة، ما دفعها إلى استيراد جزء متزايد من احتياجاتها من مناطق بعيدة داخل البلاد أو من الخارج.

أكد أوغلو أن نقل المنتجات لمسافات أطول يرفع التكاليف وبالتالي أسعار الغذاء، مشيراً إلى أن ارتفاع كلفة الوقود الناتج عن غلاء النفط والغاز زاد من حدة التضخم الغذائي.

وأضاف: «العديد من المزارع القديمة القريبة من إسطنبول وأنقرة يجري البناء فوقها حالياً. في السابق، كانت الطماطم تصل من مناطق مجاورة، أما الآن فتأتي من الأناضول أو من الأسواق الخارجية».

تشير حسابات (AGBI) المستندة إلى البيانات الحكومية إلى أن الإنتاج السنوي للقمح والذرة والشعير وعباد الشمس والشمندر السكري والبطاطا والزيتون في المدن الخمس انخفض بمقدار 663 ألف طن بين عامي 2004 و2025.

أخبار ذات صلة

منظر جوي من ميناء علي آغا بعد تحميل حاويات على متن سفينة في إزمير، تركيا يوم 29 يوليو 2022

تركيا تستنزف احتياطياتها الأجنبية بأسرع وتيرة بسبب الحرب الإيرانية

تسارع اعتماد تركيا على الواردات الغذائية

انتقد أوغلو «غياب الإرادة السياسية لتنفيذ سياسات تثني المزارعين عن بيع أراضيهم للمطورين العقاريين أو تقديم حوافز تشجعهم على مواصلة النشاط الزراعي».

وأسهم هذا الوضع في زيادة اعتماد البلاد على الواردات؛ إذ تظهر أحدث بيانات الأمم المتحدة أن واردات تركيا من القمح والذرة ارتفعت أربعة أضعاف لكل منهما بين عامي 2010 و2023، فيما قفزت واردات الشعير بنحو 22 ضعفاً خلال الفترة نفسها.

إغراءات سوق العقارات وضغوط تكاليف الزراعة

تُفسر القفزات القياسية في أسعار العقارات تنامي توجه المزارعين نحو بيع أراضيهم؛ حيث تشير بيانات «البنك المركزي التركي» إلى أن أسعار العقارات السكنية في إسطنبول وأنقرة وإزمير ارتفعت بنحو 10 أضعاف بالعملة المحلية خلال العقد الحالي، رغم تراجع الليرة التركية بنسبة 87% أمام الدولار خلال الفترة نفسها.

وعند احتسابها بالدولار، ارتفعت أسعار العقارات في المدن الثلاث بنحو الثلث خلال العقد الحالي، وفق حسابات (AGBI)، ما جعل الاستثمار العقاري أداة تحوط جذابة ضد التضخم.

وفي المقابل، واصلت التكاليف التشغيلية الضغط على القطاع الزراعي؛ إذ ارتفع مؤشر أسعار المدخلات الزراعية بنسبة 34% في مارس الماضي مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، فيما تراوحت الزيادات السنوية الشهرية للمؤشر بين 21% و138% منذ مطلع عام 2021.

logo
اشترك في نشرتنا الإلكترونية
تابعونا على
تحميل تطبيق الهاتف