logo
اقتصاد

كيف واجه عملاق الأسمدة المغربي واحدة من أصعب أزماته؟

كيف واجه عملاق الأسمدة المغربي واحدة من أصعب أزماته؟
منجم فوسفات تابع لـ«المكتب الشريف للفوسفاط المغربية» (OCP) بالقرب من مدينة العيون، المغرب، فبراير 2016.المصدر: رويترز
تاريخ النشر:

تواجه مجموعة «المكتب الشريف للفوسفاط المغربية» (OCP)، أكبر مصدر ومنتج للأسمدة الفوسفاتية في العالم، ضغوطاً متزايدة جراء تداعيات حرب إيران والاضطرابات المستمرة في حركة التجارة العالمية، ما يضع قدرتها على الصمود أمام اختبار غير مسبوق.

وبينما خفّف استئناف تدريجي لحركة الملاحة في «مضيق هرمز» من حدة الأزمة، فإن تداعيات الأشهر الماضية لا تزال تضغط على الأداء التشغيلي والمالي للمجموعة.

تدير المجموعة منذ عام 2006 واحدة من أكثر سلاسل القيمة تكاملاً في قطاع الفوسفات عالمياً، إلا أن الأزمة الأخيرة كشفت حدود هذا النموذج أمام صدمات خارجية مرتبطة بسلاسل الإمداد، خصوصاً في المواد الأولية المستوردة مثل الكبريت والأمونيا.

وفي تقرير نشرته مجلة ««جون أفريك» الفرنسية، تم تسليط الضوء على أن الأزمة لم تكن مجرد اضطراب ظرفي، بل اختباراً هيكلياً لنموذج عمل المجموعة، خصوصاً في ظل اعتمادها الكبير على واردات المواد الخام الأساسية لتصنيع الأسمدة.

أخبار ذات صلة

مصنع تابع  المكتب الشريف للفوسفات في جنوب المغرب - 14 مايو 2013

المغرب يوسع خريطة كنوزه المعدنية.. «ذهب» و«نحاس» بعد هيمنة «الفوسفات»

تراجع الأداء المالي في بداية 2026

سجلت المجموعة خلال الربع الأول من عام 2026 تراجعاً واضحاً في مؤشرات الأداء، حيث تراجعت الأرباح الإجمالية بنسبة 19%، فيما هبطت الأرباح قبل الفوائد والضرائب والإهلاك والاستهلاك بنسبة 24% على أساس سنوي.

وأرجعت المجموعة هذا التراجع إلى استمرار شح سوق الأسمدة عالمياً، إلى جانب التوترات الجيوسياسية واضطرابات سلاسل الإمداد، التي أدت إلى ارتفاع كبير في أسعار المواد الأولية، وعلى رأسها الكبريت والأمونيا، ورغم ذلك، شددت الإدارة على أن الأداء يعكس «مرونة نسبية» بفضل النموذج الصناعي المتكامل، وقدرة المجموعة على التكيف مع بيئة سوقية شديدة التقلب.

خفض الإنتاج وإعادة جدولة العمليات

في مواجهة ارتفاع التكاليف، لجأت المجموعة إلى خفض إنتاجها بنحو 30%، عبر تسريع عمليات صيانة كانت مبرمجة في النصف الثاني من العام، في خطوة تعكس حجم الضغط على الطاقة التشغيلية.

كما شهدت هذه الفترة حادثاً تقنياً محدوداً على خط الأنابيب الرابط بين مناجم خريبكة والمركب الصناعي والبحري في الجرف الأصفر، قبل أن تتم معالجته سريعاً خلال أيام.

تعد هذه التعديلات من بين أكبر التحركات التشغيلية للمجموعة خلال السنوات الأخيرة، في ظل سعيها للحفاظ على استقرار الإمدادات رغم تقلبات السوق العالمي.

بلغ إنتاج شركة من «الفوسفات الأردنية» قرابة 11.5 مليون طن في عام 2024

الكبريت.. نقطة الضعف الاستراتيجية

كشفت الأزمة بشكل واضح عن هشاشة أحد أهم عناصر الإنتاج، إذ تعتمد المجموعة على استيراد ما لا يقل عن 5 ملايين طن من الكبريت سنوياً منذ 2022، بحسب بيانات شركة (Afriqom).

ومع اندلاع الحرب في الشرق الأوسط، ارتفعت أسعار الكبريت بشكل حاد من نحو 550 دولاراً للطن قبل الأزمة إلى أكثر من 1600 دولار في منتصف يونيو، ما ضاعف تكلفة الإنتاج بشكل مباشر.

ويُعد الكبريت مكوناً أساسياً في إنتاج الأسمدة الفوسفاتية، ما جعل أي اضطراب في إمداداته ينعكس سريعاً على هوامش الربحية.

اختلالات في سلاسل التوريد العالمية

امتدت تداعيات الأزمة إلى معظم الأسواق المصدّرة للكبريت والأمونيا، حيث خفضت الصين صادراتها لتلبية الطلب المحلي، فيما تأثرت الإمدادات من قطر والسعودية، وتراجعت قدرات روسيا الإنتاجية بسبب الحرب والعقوبات، بينما أعلنت كازاخستان تعليق صادراتها مؤقتاً.

ورغم امتلاك المجموعة مخزوناً استراتيجياً يغطي الإنتاج حتى يوليو 2026، فإن ارتفاع الأسعار أجبرها على إعادة ترتيب أولويات التشغيل وتسريع برامج الصيانة.

ارتفاع المديونية وتكاليف التشغيل

على الصعيد المالي، ارتفع إجمالي ديون المجموعة إلى 119 مليار درهم بنهاية 2025، مقارنة بـ45 مليار درهم في 2021، ما يعكس حجم الاستثمارات والتوسعات التي نفذتها خلال السنوات الأخيرة.

كما ارتفعت كتلة الأجور بنسبة 20% بين 2024 و2025 لتصل إلى 15.7 مليار درهم، في ظل توظيف نحو 27 ألف موظف داخل المجموعة.

ورغم تأكيد وكالة «موديز» تصنيفها الائتماني عند مستوى Baa3، إلا أن الضغوط على التدفقات النقدية تثير تساؤلات حول قدرة المجموعة على الحفاظ على توازنها المالي في المدى المتوسط.

أخبار ذات صلة

أحد مواقع مجموعة مكتب الشريف «أو سي بي» المغربية، لإنتاج الفوسفات والأسمدة، في منجم الكنتور المغربي.

الفوسفات يقود انتعاش الاستثمارات الأجنبية في المغرب

إعادة هيكلة داخلية وضبط الإنفاق

في ظل الضغوط، اتجهت المجموعة إلى إجراءات لإعادة ضبط التكاليف، شملت بعض الفروع مثل شركة (JESA) الهندسية، حيث تم تعليق عقود غير دائمة ضمن سياسة وصفتها الإدارة بأنها «تدبير حذر» وليس تجميداً شاملاً للتوظيف.

بدورها، تؤكد الإدارة أن هذه الخطوات تندرج ضمن تحسين الكفاءة التشغيلية وإعادة توزيع الموارد، وليس ضمن خطة تقشف واسعة.

كما كثفت المجموعة جهودها لتنويع مصادر الكبريت والأمونيا، عبر التوريد من العراق وكندا، إلى جانب استيراد حمض الكبريتيك مباشرة، وإعادة تفعيل مشاريع محلية مثل استخراج البيريت، وكذلك  تعتمد المجموعة على عقود طويلة الأجل، أبرزها اتفاق مع «قطر للطاقة» (QatarEnergy) في نوفمبر 2024 لتوريد 7.5 ملايين طن من الكبريت على مدى عشر سنوات، إلا أن الاتفاق تعطل لاحقاً بسبب إعلان القوة القاهرة.

التحول الاستراتيجي نحو أسمدة أقل استهلاكاً للكبريت

في موازاة ذلك، تسعى المجموعة إلى تقليل اعتمادها على الكبريت عبر التوسع في إنتاج سماد السوبر فوسفات الثلاثي (TSP)، الذي يتطلب كميات أقل بكثير من المواد الأولية.

وارتفعت مبيعات هذا النوع بنسبة 48% خلال 2024 و2025، ليشكل نحو 65% من صادرات المجموعة حالياً، مقارنة بـ30% في 2025 و22% في 2024.

كما تواصل المجموعة  الاستثمار في مشاريع الأمونيا الخضراء بهدف تقليص الاعتماد على الاستيراد، غير أن التقدم في هذا المجال لا يزال دون الأهداف الأولية.

وتستورد المجموعة حالياً نحو 1.6 مليون طن من الأمونيا سنوياً، مع خطة لإنتاج مليون طن محلياً خلال السنوات المقبلة، وهو هدف تأخر مقارنة بالجدول الزمني السابق.

وأكد التقرير أنه رغم التحسن النسبي في بيئة التجارة بعد إعادة فتح «مضيق هرمز»، فإن الأزمة الأخيرة كشفت أن قوة المجموعة لا تكمن فقط في امتلاكها أكبر احتياطيات الفوسفات عالمياً، بل في قدرتها على تأمين مدخلاتها الحيوية في سوق عالمي شديد التقلب.

logo
اشترك في نشرتنا الإلكترونية
تابعونا على
تحميل تطبيق الهاتف