الفوسفات يقاوم الهبوط مع استمرار أزمة الكبريت
المخزونات المرتفعة تمنع تحول الصدمة لأزمة غذاء

تراجعت أسعار الأسمدة العالمية عن المستويات القياسية التي سجلتها بعد اندلاع حرب إيران، لكن المزارعين لم يخرجوا من دائرة الضغط، إذ أدى انخفاض أسعار المحاصيل نسبياً إلى تقلص هوامش الأرباح وارتفاع تكلفة الأسمدة مقارنة بالعائد الذي يحصلون عليه من الإنتاج.
يمتد الخطر إلى الغذاء، إذ حذرت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة «الفاو» من أن اضطرابات أسواق الطاقة والأسمدة الناجمة عن الصراع تمثل أحد أبرز المخاطر التي تواجه أسواق الغذاء، رغم بقاء الإمدادات العالمية في وضع مريح نسبياً بفضل وفرة المخزونات.
تؤكد الأسعار حجم الصدمة، إذ أظهرت بيانات «البنك الدولي» ارتفاع مؤشر أسعار الأسمدة بأكثر من 12% خلال الربع الأول من 2026، ليصل بحلول أبريل إلى أعلى مستوى منذ أكتوبر 2022، مدفوعاً بصورة رئيسية باضطرابات الصادرات المرتبطة بـ«هرمز».
قال «رابو بنك» إن أسعار الأسمدة تراجعت عن قممها، لكن القدرة على تحمل تكلفتها لا تزال ضعيفة، خصوصاً بالنسبة للفوسفات، في وقت يواصل اضطراب التجارة عبر مضيق هرمز التأثير في أسواق الطاقة والأسمدة والمواد الخام المستخدمة في إنتاجها.
أضاف «رابو بنك» أن القدرة على تحمل تكاليف الأسمدة لا تزال تمثل تحدياً كبيراً للمزارعين، في وقت تواصل فيه الحرب التأثير في الأسواق الزراعية العالمية، مع استمرار المخاطر التي تهدد تدفقات الإمدادات عبر مضيق هرمز، إلى جانب اضطرابات التجارة والطقس وارتفاع أسعار الفوسفات.
تكشف التجارة حجم الخطر، إذ قالت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة «الفاو» إن «هرمز» يستحوذ على ما بين 20% و30% من التجارة العالمية لعدد من منتجات الأسمدة، إلى جانب دوره المحوري في تدفقات النفط والغاز الطبيعي المسال.
أما الشحنات الفعلية، فأظهرت بيانات «إس آند بي غلوبال» انخفاض تجارة الأسمدة الجافة المنقولة بحراً 19% على أساس سنوي في مايو، مع توقع تراجعها بنحو 20% خلال الربع الثاني، متأثرة بانخفاض عمليات التحميل من المنطقة.
وتتوقع المؤسسة انخفاض شحنات الأسمدة النيتروجينية 24% والفوسفات 20% خلال الربع الثاني، بينما يظل البوتاس أكثر قدرة على الصمود نتيجة انخفاض اعتماده على إمدادات الشرق الأوسط.
لكن الفوسفات أكثر تعقيداً، إذ قال «رابو بنك» إن أسعار الأسمدة الفوسفاتية لم تتراجع على غرار اليوريا النيتروجينية، بعدما أبقت أزمة الكبريت تكلفة الإنتاج مرتفعة رغم انحسار جزء من الصدمة الأولية في أسواق الأسمدة.
قال البنك إن أسعار الكبريت، وهو أحد المدخلات الرئيسية في إنتاج الفوسفات، لا تزال عند مستويات مرتفعة، في وقت أدى فيه اضطراب صادرات الشرق الأوسط إلى استمرار نقص المعروض.
والأرقام تكشف الاختناق، إذ تقدر «إس آند بي غلوبال» أن الشرق الأوسط يمثل نحو 47% من تجارة الكبريت العالمية المنقولة بحراً، إلى جانب نحو 35% من اليوريا و24% من الأمونيا.
توقعت المؤسسة تراجع شحنات الكبريت بنحو 47% على أساس سنوي خلال الربع الثاني، وهو أكبر انخفاض بين المواد الخام الرئيسية المستخدمة في صناعة الأسمدة، فيما أشارت إلى أن سلاسل الإمداد تحتاج إلى أشهر حتى تعود إلى طبيعتها بالكامل.
والأسعار عكست الأزمة، إذ أظهرت تقييمات «بلاتس» التابعة لـ«إس آند بي غلوبال» وصول أسعار الكبريت في الشرق الأوسط إلى مستويات قياسية خلال مايو؛ ما ضغط على هوامش شركات الأسمدة ودفع بعض المنتجين إلى خفض الإنتاج.
أما المزارع فيدفع الثمن، إذ يتوقع «رابو بنك» أن تظل القدرة على تحمل تكلفة الأسمدة الفوسفاتية سلبية حتى يوليو من العام المقبل على الأقل، بما يعني استمرار ارتفاع تكلفتها بوتيرة تفوق أسعار المحاصيل التي يحصل عليها المنتجون.
وأظهر مؤشر القدرة على تحمل تكلفة الأسمدة لدى «رابو ريسيرش» تحسناً مقارنة بالمستويات المتدنية التي سجلها عقب اندلاع الحرب، لكن الأسمدة لا تزال مرتفعة التكلفة بالنسبة للمزارعين، فيما سجل مؤشر الفوسفات سالب 0.59.
كما أن الصين توفر بعض الدعم، إذ يرى «رابو بنك» أن عودتها إلى سوق تصدير الأسمدة توفر متنفساً للإمدادات العالمية، لكنها لا تكفي لحل المشكلة، خصوصاً مع استمرار غيابها عن سوق الفوسفات وارتفاع أسعار الكبريت والقيود المفروضة على المعروض.
تظهر المشكلة في آسيا، إذ قالت «إس آند بي غلوبال» إن أسعار المحاصيل لم تواكب الارتفاع الكبير في تكاليف الأسمدة منذ بداية الحرب؛ ما يضغط على ربحية المزارعين ويمكن أن يؤثر في قرارات الزراعة واستخدام الأسمدة خلال المواسم المقبلة.
لكن المخزونات توفر الحماية، إذ قال «رابو بنك» إن أسواق السلع الزراعية لا تزال تتمتع بإمدادات جيدة عموماً، رغم القيود التي تواجه المزارعين واضطرابات التجارة والمخاطر المناخية، بفضل تراكم المخزونات العالمية.
ويتوقع البنك انخفاض إنتاج الذرة والأرز والقمح هذا العام، لكنه يرى أن المخزونات المرتفعة ستساعد على إبقاء الأسعار داخل نطاقاتها المعتادة، وإن كانت تتحرك نحو الحدود العليا خلال الأشهر الستة إلى الاثني عشر المقبلة.
وتؤكد «الفاو» هذه الوسادة، إذ تتوقع المنظمة أن يظل إنتاج الحبوب العالمي في موسم 2026-2027 عند مستويات مرتفعة تاريخياً رغم تراجعه عن المستويات القياسية، مع دعم وفرة المخزونات للإمدادات العالمية.
كذلك ترى المنظمة أن النظرة إلى أسواق السلع الغذائية لا تزال مواتية نسبياً، لكنها حذرت من أن تقلبات أسواق الطاقة والأسمدة الناجمة عن الحرب، والتوترات الجيوسياسية والطقس وسياسات التجارة، تمثل أبرز المخاطر أمام استمرار هذا الاستقرار.
مع استمرار الحرب، حذرت «الفاو» من أن ارتفاع أسعار الطاقة ونقص الأسمدة يمكن أن يضغطا على إنتاجية المحاصيل، فيما قد تزيد تكاليف النقل والشحن من تقلب أسعار الغذاء، خصوصاً في الدول الأكثر اعتماداً على الواردات.
قالت المنظمة إن اضطرابات مضيق هرمز رفعت المخاطر على أنظمة الطاقة والأسمدة والغذاء عالمياً، مشيرة إلى أن نقص الأسمدة وارتفاع أسعار الطاقة يمكن أن يؤثرا في غلة المحاصيل إذا استمرت الضغوط لفترة طويلة.
أما انتقال التكلفة للمستهلك، فتشير «إس آند بي غلوبال» إلى أن الحرب رفعت تكاليف الوقود والأسمدة والشحن في وقت كانت فيه أسعار الغذاء العالمية قد بدأت تستقر بعد سنوات من التقلب؛ ما أعاد مخاطر تضخم الغذاء إلى الواجهة.
أظهرت المؤسسة أن الفجوة بين ارتفاع أسعار الأسمدة وضعف أسعار المحاصيل قد تضغط على قرارات المزارعين بشأن الزراعة واستخدام المدخلات، بما يمكن أن يقلص الفوائض القابلة للتصدير ويدفع أسعار الغذاء إلى الارتفاع لاحقاً إذا استمرت الأزمة.
حتى الآن توجد وسادة، إذ يرى «رابو بنك» أن اتجاهات نسبة المخزون إلى الاستهلاك لا تشبه الانكماش الحاد الذي شهدته أسواق الغذاء في منتصف العقد الأول من الألفية؛ ما يشير إلى أن السوق تتمتع بقدرة أكبر على امتصاص الصدمات.
لكن هامش الأمان مشروط، إذ تحذر «الفاو» من أن توقعات الغذاء المواتية نسبياً تعتمد على مسار الطقس والطاقة والأسمدة والتجارة، بينما يظل ظهور ظاهرة النينيو أحد المخاطر الإضافية أمام الإنتاج خلال الفترة المقبلة.
أما الخطر الأطول، فيتوقع «رابو بنك» استمرار ضعف القدرة الشرائية للمزارعين، خصوصاً للأسمدة الفوسفاتية حتى يوليو المقبل على الأقل، ما يبقي تكلفة الإنتاج تحت الضغط حتى مع قدرة المخزونات العالمية، حتى الآن، على منع تحول صدمة الأسمدة إلى أزمة غذاء أوسع.