
مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية في 11 نوفمبر، تتجه الأنظار مجدداً إلى واحدة من أكثر القضايا إلحاحاً في الاقتصاد العراقي: عبء الديون المتراكمة الذي يشكّل اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة على تحقيق توازن بين متطلبات الإنفاق والتنمية.
فعلى مدى أكثر من أربعة عقود، تَراكَم الدين العام كنتيجة مباشرة لدوامةٍ من الحروب والعقوبات الدولية وتقلبات أسعار النفط، ما ترك بصمة عميقة على بنية الاقتصاد الوطني. وقد تحولت الديون من مجرد التزام مالي إلى مؤشر كاشف لضعف النمو وضيق الحيز المالي وتراجع الاستثمارات الإنتاجية.
في ظل هذه المعطيات، لم يعد الحديث عن الدين العام شأناً مالياً بحتاً، بل أصبح قضية تمسّ الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي والسياسي في آن واحد. فكل تذبذب في أسعار النفط أو تأخير في تنفيذ الإصلاحات الهيكلية ينعكس فوراً على عجز الموازنة ومستوى المعيشة وسعر الدينار.
وبينما تستعد الحكومة لإقناع الناخبين بسجلها الاقتصادي، تبدو إدارة الدين والسياسات المالية في صميم النقاش العام، حيث يواجه صانعو القرار معادلة معقدة: كيف يمكن احتواء العجز وتمويل النفقات التشغيلية دون خنق الاستثمار أو إثارة اضطرابات نقدية جديدة؟.
كشف محافظ البنك المركزي العراقي مؤخراً أن إجمالي الديون الداخلية والخارجية للعراق بلغ نحو 150 مليار دولار، تشمل 90.3 تريليون دينار من الديون المحلية و43 مليار دولار من الالتزامات الخارجية. وحذّر من أن العجز الكبير في الموازنة لا يمكن تمويله بالقروض والسندات وحدها، في إشارة إلى مخاطر استمرار السياسات المالية الحالية.
وفي هذا السياق، تشير أحدث تقارير «صندوق النقد الدولي» (IMF) إلى تراجع نمو القطاع غير النفطي من نحو 13.8% في 2023 إلى 2.5% في 2024، فيما يُتوقع أن يبلغ النمو الكلي للاقتصاد نحو 3.1% في 2025. كما ارتفع سعر برميل النفط اللازم لمعادلة الموازنة إلى نحو 84 دولاراً في 2024، مقارنة بنحو 54 دولاراً في 2020.
وتؤكد هذه الأرقام أن الاقتصاد العراقي لا يزال شديد التعرّض لتقلبات أسعار النفط، مما يزيد من هشاشته المالية.
في محاولة لتهدئة المخاوف العامة، أوضح «البنك المركزي العراقي» أن نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي ما تزال عند مستوى «آمن» يبلغ حوالي 43%. وأشار إلى أن العجز الفعلي للفترة 2023–2025 لم يتجاوز 35 تريليون دينار، أي أقل بكثير من التقدير السابق البالغ 91.5 تريليون دينار ضمن قانون الموازنة الثلاثية.
كما أوضح البنك أن 18.2% فقط من العجز المقدر تم تمويله عبر الاقتراض، في ما وصفه بـ «مستوى عالٍ من التنسيق» بين السياسات المالية والنقدية.
أما الدين الخارجي القابل للسداد، فيبلغ نحو 13 مليار دولار بعد استبعاد الديون المجمدة من النظام السابق، في حين تُركّز معظم الديون المحلية داخل الجهاز المصرفي الحكومي، وهو ما يعدّه البنك وضعاً يمكن السيطرة عليه.
في مواجهة التدقيق المتزايد، دافع رئيس الوزراء محمد شياع السوداني عن أداء حكومته المالي، مؤكداً في لقائه مع صحفيين عرب وأجانب أن «الوضع المالي والاقتصادي في العراق هو الأفضل منذ سنوات»، وعزا العجز القائم إلى «سياسات خاطئة موروثة من الحكومات السابقة».
وأشار إلى انخفاض العجز إلى نحو 34 تريليون دينار، مؤكداً التزام حكومته بالاستقرار المالي، ونفى مسؤولية حكومته عن الديون القديمة، ولا سيما 41 مليار دولار المستحقة لـ«نادي باريس» (Paris Club)، وهو تجمع يضم أكثر من عشرين دولة دائنة كبرى تنسّق جهود إعادة هيكلة الديون للدول المتعثرة، معتبراً أنها إرث من النظام السابق.
تشير بيانات «صندوق النقد الدولي» لعام 2025 إلى أن الاقتصاد العراقي ما زال يواجه اختلالات هيكلية تحدّ من قدرته على النمو المستدام.
فعلى الرغم من تحسن الإيرادات النفطية في بعض الفترات، يبقى النمو في القطاع غير النفطي محدوداً عند نحو 3% إلى 4% في المتوسط على المدى المتوسط، في ظل غياب إصلاحات جوهرية تعزز الإنتاج المحلي وتوسع قاعدة الأنشطة غير النفطية.
كما يوضح الصندوق أن معدلات البطالة، خصوصاً بين الشباب، لا تزال مرتفعة، بينما تبقى مشاركة النساء في سوق العمل ضعيفة، ما يحدّ من تنويع مصادر الدخل. كما أن الاعتماد المفرط على النفط لا يزال السمة الأبرز للاقتصاد، إذ تمثل العائدات النفطية أكثر من 90% من الإيرادات العامة.
ويرى الصندوق أن معالجة هذه التحديات تتطلب إصلاحاً مالياً وهيكلياً واسع النطاق يشمل تطوير الإيرادات غير النفطية عبر إصلاح المنظومتين الضريبية والجمركية، إلى جانب خفض فاتورة الأجور الحكومية التي تستهلك نحو ثلثي الإنفاق العام، لضمان استقرار الدين واستدامة المالية العامة على المدى المتوسط.
أدت تقلبات سعر الصرف وارتفاع الديون إلى ضغط متزايد على الاقتصاد العراقي. فقد تسبب ارتفاع معدلات التضخم خلال العامين الماضيين في تآكل القدرة الشرائية للمواطنين نتيجة زيادة كلفة الواردات وضعف استقرار الدينار أمام الدولار، ما انعكس على الأسعار ومستوى المعيشة.
وفي الوقت نفسه، أسهم اتساع العجز المالي في تراجع الإنفاق التنموي وتقلّص مخصصات البنية التحتية والخدمات العامة، الأمر الذي أعاق تنفيذ العديد من المشاريع الاستثمارية. كما تراجعت الثقة الاستثمارية، ما دفع العديد من الشركات إلى تأجيل توسعاتها أو نقل رؤوس أموالها إلى أسواق أكثر استقراراً.
محصلة هذه العوامل هي هشاشة اقتصادية تجعل العراق عرضة لتقلبات الأسواق النفطية في ظل غياب إصلاحات هيكلية جادة توازن بين الاستقرار المالي والنمو الإنتاجي.
يحذر خبراء الاقتصاد من أن الحكومة المقبلة ستواجه إرثاً مالياً ثقيلاً، وأن إدارة الدين مع الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي ستتطلب انضباطاً مالياً صارماً، وإصلاحات هيكلية عميقة، وتنسيقاً دقيقاً بين السياسات المالية والنقدية.
ومع تخصيص نحو 65% من الإنفاق الحكومي للرواتب، قد تضطر السلطات المقبلة إلى اللجوء إلى خفض قيمة الدينار أو تبني إجراءات تقشفية لضبط النفقات. ومن دون إصلاحات مستدامة، يخشى الاقتصاديون أن يغرق العراق في دوامة الاعتماد المالي المزمن، حيث تُستخدم القروض لتغطية النفقات الجارية بدلاً من الاستثمار في النمو طويل الأمد.
ويبدو أن قدرة الحكومة المقبلة على تحقيق هذا التوازن بين إدارة الدين وتحفيز النمو ستكون العامل الحاسم في تحديد مسار الاقتصاد العراقي في السنوات القادمة.