
يقف الاقتصاد اللبناني المنهك منذ سنوات أمام طريق ترسمه خطة تعافٍ طرحها «صندوق النقد الدولي»، ورغم انتعاش جزئي في قطاع السياحة إلا أن المضي في هذا المسار يجابه وضعاً مالياً هشاً ومطالب دولية بإصلاحات هيكلية واسعة.
ويرى خبراء اقتصاد من لبنان تحدثوا لـ«إرم بزنس»، أن اقتصاد البلاد يقف أمام اختبار مفصلي في تاريخه: يجب عليه قبول شروط التعافي والتأقلم مع ضغوط الإصلاحات، مؤكدين أن الاتفاق مع «صندوق النقد»، الذي بدأت محادثاته في فبراير، سيشكل ««شهادة حسن سلوك تعزز الاستثمارات في عدة قطاعات، في حين أن أي تأجيل سيزيد الكلفة التي سيدفعها الاقتصاد كما حدث سابقاً مع هبوط الليرة قبل سنوات».
ورغم التحديات التي يمر بها لبنان، أشاد صندوق النقد الدولي في بيانه يوم 19 فبراير الجاري، بالمتانة التي أظهرها اقتصاد البلاد، رغم تأثره بالصراعات في المنطقة، مشيراً إلى أن قطاع السياحة ساهم جزئياً في دعم اقتصاد البلاد. لكن الصندوق أكد على أن استعادة النمو الاقتصادي في لبنان تتطلب إصلاحات شاملة.
وتخلّف لبنان عن سداد نحو 30 مليار دولار من السندات الدولية في عام 2020، بعد عام من انهيار اقتصادي، ما أبقاه خارج الأسواق الدولية وفاقم فجوة مالية تعادل ثلاثة أضعاف حجم الاقتصاد، فيما تبلغ احتياطيات مصرف لبنان حالياً من العملات الأجنبية نحو 11.9 مليار دولار، فيما تُقدّر احتياطيات الذهب بنحو 45.8 مليار دولار.
وحذّرت المصارف التجارية في لبنان من أن السيولة المتاحة لديها لا تكفي لسداد أموال المودعين وفق الخطة الحكومية الرامية إلى سد فجوة مالية تقدر بنحو 80 مليار دولار، ما يهدد بتعقيد المفاوضات الحساسة لإطلاق مسار التعافي الاقتصادي، بحسب ما نقلته وكالة «بلومبرغ» في 23 فبراير الجاري.
وفي 19 فبراير الجاري، قالت المتحدثة باسم «صندوق النقد»، جولي كوزاك، إن «الصندوق لا يزال يجري مباحثات مع السلطات اللبنانية التي طلبت برنامجاً مدعوماً من الصندوق في مارس 2025، وهو ما شمل إرسال فريق من خبراء الصندوق إلى بيروت مطلع فبراير الجاري، ويتم بحث قضيتين رئيسيتين، هما الحاجة إلى إعادة هيكلة القطاع المصرفي، ووضع استراتيجية مالية متوسطة الأجل تتضمن تدابير ملموسة لجمع إيرادات إضافية للإنفاق».
وقبلها بأيام، قال رئيس الوزراء اللبناني، نواف سلام، في مقابلة مع «بلومبرغ»، منتصف فبراير الجاري، إن حكومته قادرة على تجاوز الخلافات مع «صندوق النقد الدولي» بشأن مشروع قانون يتيح للمودعين استعادة مليارات الدولارات العالقة في القطاع المصرفي المتعثر منذ سنوات.
قالت الباحثة الاقتصادية اللبنانية محاسن مرسل لـ«إرم بزنس»، إن «صندوق النقد الدولي لا يزال يبدي سلسلة من التحفظات فيما يتعلق بمسار الإصلاحات في لبنان، ورغم إقراره بوجود تحسن في القطاع السياحي، إلا أن هذا الأمر بمفرده لا يؤمن الاستدامة المطلوبة».
وشددت على أن «لبنان يحتاج للتعافي ولصندوق النقد، باعتباره شهادة حسن سلوك تؤكد قيام الدولة اللبنانية بالإصلاحات المطلوبة للتمكن من الدخول في برنامج تعاون»، لافتة إلى «حدوث تحسن في الجباية، والسعي لزيادات على الرواتب والأجور، وفرض ضريبة على البنزين لضمان عدم تحميل المالية العامة أعباء وذلك توافقاً مع طلبات الصندوق».
وعن مستقبل هذه المحادثات، ترى مرسل، أن «المسار لا يزال طويلاً بعض الشيء للدخول في برنامج تعاون فعلي مع الصندوق، مع التعثرات السابقة وكون البلاد مقبلة على مرحلة ضبابية تتمثل في الانتخابات النيابية، التي تزداد فيها الخطابات السياسية الشعبوية التي تتعارض إلى حد ما مع ما هو مطلوب من صندوق النقد، ما يثير التساؤلات حول إتمام الاتفاق من عدمه».
وأعربت مرسل عن تصورها بأن الدخول في برنامج تعاون مع صندوق النقد الدولي لا يزال بحاجة إلى الكثير من الأساسيات، حتى يمكن القول إن لبنان أصبح على الطريق الصحيح.
بحسب البنك الدولي، فإن الاقتصاد اللبناني سجل مؤشرات تعافٍ طفيفة في عام 2025، بعد سنوات من الانكماش، حيث حقق نمواً بنسبة 3.5% مدفوعاً بقطاعي السياحة والاستهلاك الخاص.
لكن البنك الدولي، ذكر في بيانه يوم 22 يناير الماضي، أن هذا التعافي يبقى هشاً ومرتبطاً بمدى استكمال الإصلاحات الأساسية والاستقرار السياسي.
وفقدت الليرة اللبنانية حوالي 90% من قيمتها، نتيجة النقص الحاد في العملات الأجنبية. وتعيش البلاد، أزمة اقتصادية طاحنة منذ عام 2019، والتي بدأت مع تجميد أموال المودعين ونقص السيولة في البنوك.
وتفاقمت هذه الأزمة بسبب الهجمات الإسرائيلية على لبنان منذ أكتوبر 2023، والتي أسفرت عن دمار طال معظم مناطق البلاد خاصة الجنوب والبقاع وضاحية بيروت، متسببةً في خسائر وأضرار تُقدّر بنحو 14 مليار دولار، بحسب تقديرات البنك الدولي.
وتشير بيانات وزارة الشؤون الاجتماعية في لبنان إلى أن نسبة الفقر في البلاد تبلغ 35%، كما تشير التقديرات إلى أن البطالة تبلغ 30%.