سعر البرميل يرتفع 16% في أقل من 3 جلسات
ارتفاع قياسي في تكلفة ناقلات النفط العملاقة

وسّعت أسعار النفط من مكاسبها اليوم الأربعاء، ليقفز خام برنت القياسي أعلى مستوى 84 دولاراً، عقب إعلان الحرس الثوري الإيراني سيطرته الكاملة على مضيق هرمز، محذراً من أن أي سفينة تحاول عبوره ستكون عرضة لخطر القصف الصاروخي أو الطائرات المُسيّرة.
تعيش الأسواق حالة اضطراب واسعة في أعقاب التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جانب وإيران من جانب آخر، وسط مخاوف من إطالة أمد الصراع وتعطّل إمدادات الطاقة عبر مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط العالمية.
ويُعد مضيق هرمز أحد أهم نقاط الاختناق الاستراتيجية في سوق الطاقة العالمي، إذ تمر عبره يومياً ما بين 18 و20 مليون برميل من النفط وسوائل الوقود، أي ما يقارب 20% من الاستهلاك العالمي، إضافة إلى نحو ثلث تجارة الغاز الطبيعي المُسال.
ومع اندلاع الحرب، عدّلت أغلب البنوك العالمية توقعاتها لأسعار النفط، مع تحديد علاوة مخاطر تتراوح بين 10 و20 دولاراً للبرميل، وسط توقعات بتجاوز سعر برميل برنت 90 دولاراً هذا الأسبوع و100 دولار إذا استمرت الحرب أكثر من أسبوعين.
تاريخياً، لم تتجاوز أسعار النفط مستوى 140 دولاراً للبرميل إلا خلال ذروة الأزمة المالية العالمية في عام 2008، بينما لامست 120 دولاراً عقب حرب أوكرانيا في عام 2022، ما يبرز حساسية السوق تجاه أي اضطرابات جيوسياسية كبرى.
يرى محللو بنك «آي إن جي» أن أي اضطرابات في سلسلة إمداد النفط العالمية قد تدفع أسعار النفط إلى تجاوز مستوى 140 دولاراً للبرميل.
وأشار محللو بنك «آي إن جي» إلى أن الأسواق لا تزال تستوعب مخاطر التصعيد في الشرق الأوسط، محذرين من أن استهداف مزيد من البنية التحتية للطاقة قد يؤدي إلى انقطاعات أطول في الإمدادات.
كما رفعت مؤسسة «برنشتاين» توقعاتها لسعر خام برنت في 2026 من 65 إلى 80 دولاراً للبرميل، لكنها لم تستبعد وصول أسعار النفط إلى نطاق يتراوح بين 120 و150 دولاراً في حال استمرار الصراع لفترة مطولة.
في حال تحقق سيناريو 150 دولاراً للبرميل، فإن ذلك سيعني عودة أسعار الطاقة إلى مستويات أزمة 2008، مع تأثير مباشر على تكاليف النقل والصناعة وسلاسل الإمداد، وهو ما قد يعيد تشكيل توقعات النمو العالمي لعامي 2025 و2026 بالكامل.
ويتوقع محللو «سيتي بنك» في مذكرة أن يتراوح سعر خام برنت بين 80 و90 دولاراً للبرميل هذا الأسبوع وسط الصراع المستمر.
كما يُقدّر المحلل لدى «كيبلر»، مويو شو، أن إغلاق مضيق هرمز قد يدفع سعر النفط الخام إلى ما يتراوح بين 120 و150 دولاراً للبرميل.
يتوقع «جيه بي مورغان» أن تؤدي الحرب في الشرق الأوسط إلى خسائر في الإنتاج تتجاوز 3 ملايين برميل يومياً بحلول نهاية الأسبوع، وقد تصل هذه الخسائر إلى 4 ملايين برميل يومياً في حال استمرت الحرب لأكثر من أسبوعين.
وأشار محللو السلع لدى البنك إلى أن العراق هو الأكثر عرضة للخطر، وقد بدأت الدولة بالفعل في خفض الإنتاج بسبب محدودية سعة التخزين، وأثرت تلك العمليات حتى الآن على حوالي 1.5 مليون برميل يومياً من الإنتاج، لكن من المتوقع ارتفاع هذا الرقم إلى 3 ملايين برميل يومياً.
وأوضح البنك أنه كلما طال أمد الحرب، ازداد وضع إمدادات النفط سوءاً. وحسب رؤية محلليه، فإنه بحلول اليوم الخامس عشر من الحرب قد يصل حجم الإنتاج المتوقف إلى 3.8 مليون برميل يومياً، وقد يرتفع ذلك إلى 4.7 مليون برميل يومياً بحلول اليوم الثامن عشر.
وفقاً لبيانات بورصة البلطيق في لندن، تجاوز سعر استئجار ناقلة نفط عملاقة، تبلغ سعتها مليوني برميل، من الشرق الأوسط إلى الصين 481 ألف دولار يومياً، ليرتفع أربعة أضعاف منذ منتصف فبراير الماضي.
ويأتي ذلك بعد أن قفز إلى 423.7 ألف دولار يومياً الأسبوع الماضي، بزيادة تجاوزت 94% مقارنة بإغلاق الجمعة، بحسب بيانات «إل إس إي جي».
وفي الولايات المتحدة، قفزت تكلفة استئجار ناقلة نفط عملاقة لرحلة كاملة من ساحل الخليج الأميركي إلى آسيا لتصل إلى 26.9 مليون دولار اليوم، أي ما يعادل أكثر من 13 دولاراً للبرميل الواحد.
وقفزت أسعار استئجار ناقلات الغاز الطبيعي المُسال عبر الأطلسي بأكثر من 40% إلى 61.5 ألف دولار يومياً أمس، كما ارتفعت الأسعار عبر المحيط الهادئ إلى 41 ألف دولار، بزيادة 45% مقارنة بإغلاق الجمعة.
توقع «غولدمان ساكس» ارتفاع سعر الغاز الطبيعي في أوروبا بأكثر من الضعف في حال توقف الشحن عبر مضيق هرمز لمدة شهر، في حين يُرجّح أن يكون التأثير على الأسعار في الولايات المتحدة محدوداً.
وأوضح محللو البنك، في مذكرة، أن خُمس الغاز الطبيعي المُسال في العالم يمر عبر هذا المضيق الحيوي، وأن توقف الشحن لمدة شهر قد يؤدي إلى ارتفاع الأسعار في أوروبا وآسيا بنسبة 130% لتصل إلى 25 دولاراً لكل مليون وحدة حرارية بريطانية.
أما في حال استمر الاضطراب لفترة أطول، أكثر من شهرين، فإن أسعار الغاز الطبيعي في أوروبا قد تقفز أعلى 100 يورو لكل ميغاواط/ساعة (35 دولاراً لكل مليون وحدة حرارية بريطانية)، مما سيؤدي إلى تراجع كبير في الطلب العالمي على الغاز.
حذرت بنوك عالمية من أن تأثير ارتفاع النفط لن يقتصر على موجات التضخم فحسب، بل سيمتد ليشمل ضغوطاً واسعة على موازين المدفوعات والعملات المحلية وتدفقات رؤوس الأموال.
وأشار محللو «آي إن جي» في تقرير إلى أن مجرد ارتفاع أسعار النفط بنسبة 10% قد يؤدي إلى تدهور موازين المعاملات الجارية في الأسواق الناشئة بنحو 40 إلى 60 نقطة أساس.
وقال محللو البنك الهولندي: «كوريا الجنوبية، وتايلاند، وفيتنام، وتايوان، والفلبين هي الدول الأكثر عرضة لهذا الخطر».
وبينما تعاني الدول المستوردة للطاقة من ضغوط مزدوجة على العملات وموازين المدفوعات، قد تستفيد الدول المصدرة للنفط، على غرار روسيا وفنزويلا وكازاخستان، من تحسن الإيرادات المالية، ما يخلق تبايناً واضحاً في أداء الأسواق بين الاقتصادات المستوردة والمصدرة للطاقة.
يرى محللو «غولدمان ساكس» أن ارتفاع سعر خام برنت من 70 إلى 85 دولاراً للبرميل سيضيف 0.7% إلى معدلات التضخم في آسيا الناشئة، ويقتطع نحو 0.5% من النمو الاقتصادي، وفقاً لوكالة «رويترز».
كما حذر «سيتي غروب» من أن صدمة نفطية مطولة قد تؤدي إلى انفلات عدواني لتوقعات التضخم، مما يضع الدول ذات الاحتياطيات المنخفضة مثل الأرجنتين وسريلانكا أمام مخاطر متزايدة لهروب رؤوس الأموال وانزلاق قيم عملاتها.
وفي خطوة تعكس تصاعد الحذر، خفّض محللو «جي بي مورغان» تصنيف عملات الأسواق الناشئة في أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا إلى «وزن السوق»، مع إدراج عملة بولندا ضمن قائمة العملات المتوقع تراجع أدائها.
إلى ذلك، لم يعد السؤال ما إذا كانت أسعار النفط سترتفع، بل إلى أي مستوى يمكن للاقتصاد العالمي تحمّله قبل أن تتحول الصدمة النفطية إلى أزمة نمو عالمية جديدة.
فكل يوم إضافي من إغلاق مضيق هرمز لا يضيف دولاراً إلى سعر البرميل فحسب، بل يضيف طبقة جديدة من المخاطر إلى النظام المالي العالمي.