برميل النفط يهبط حوالي 8%
الحرب وهرمز يحددان مسار الأسعار

تعيد أسواق الطاقة العالمية تسعير مخاطر الحرب في الشرق الأوسط بوتيرة سريعة، بعدما قادت إشارات سياسية إلى احتمال انتهاء الصراع مع إيران قريباً إلى موجة بيع قوية في عقود الغاز الأوروبية، لتتكبد الأسعار أكبر خسارة يومية منذ ثلاث سنوات.
وهوت أسعار الغاز الطبيعي في أوروبا بنسبة حادة بلغت 17%، مسجلة أكبر انخفاض يومي منذ ثلاث سنوات، بعدما هدأت تصريحات للرئيس الأميركي دونالد ترامب مخاوف الأسواق من استمرار الحرب مع إيران لفترة طويلة.
ترامب يتوقع نهاية الحرب
وتوقع الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن تنتهي الحرب مع إيران قريباً، وذلك في وقت يتعرض فيه لضغوط متزايدة بسبب تأثير الصراع على أسواق الطاقة العالمية، خاصة مع اعتماد آسيا وأوروبا على إمدادات منطقة الصراع.
ويعكس الهبوط الحاد في أسعار الغاز حساسية أسواق الطاقة لأي مؤشرات على تهدئة الصراع في الشرق الأوسط، إذ يخشى المستثمرون أن يؤدي إغلاق مضيق هرمز إلى تعطيل تدفقات الطاقة العالمية.
ويرى محللو بنك «أي إن جي» أن جزءاً من الهبوط الحاد في الأسعار يعكس أيضاً عمليات تصفية واسعة للمراكز المضاربية في سوق الغاز الأوروبية، بعدما اندفع المستثمرون خلال الأيام الماضية إلى شراء العقود تحسباً لاحتمال تعطل الإمدادات من الشرق الأوسط.
الهبوط الأكبر منذ 2023
وهبطت العقود القياسية للغاز في بورصة لندن بنسبة تجاوزت 17% خلال تداولات الثلاثاء، وهو أكبر انخفاض يومي منذ عام 2023، في الوقت الذي شهدت فيه أسعار النفط أيضاً تراجعاً ملحوظاً.
وهبطت العقود الهولندية للغاز تسليم الشهر المقبل، وهي المؤشر القياسي لأسعار الغاز في أوروبا، بنسبة 16% لتصل إلى 47.99 يورو لكل ميغاواط ساعة بحلول الساعة 9:41 صباحاً بتوقيت غرينتش.
وفي الوقت ذاته، تراجعت عقود الغاز الأميركية في بورصة نيويورك التجارية تسليم أبريل 1.5% عند 3.07 دولار لكل مليون وحدة حرارية بريطانية.
كما تراجعت العقود الآجلة لخام برنت لشهر مايو 8% لتصل إلى 91.3 دولار للبرميل، وهبطت العقود الآجلة لخام غرب تكساس الأميركي الوسيط تسليم أبريل حوالي 7% إلى 88.4 دولار للبرميل.
أوضح ترامب أنه لا يعتقد أن الحرب ستنتهي خلال هذا الأسبوع، إلا أنه أكد أن العمليات العسكرية تسير بوتيرة أسرع من المتوقع وقد تُحسم قريباً جداً، وقد لا تستمر الأسابيع الخمسة المتوقعة في وقت سابق.
يرى محللو بنك «آي إن جي» بقيادة وارن باترسون وإيوا مانثي أن تصريحات ترامب قدمت قدراً من الارتياح لأسواق الطاقة، لكنها لن تكون كافية وحدها لدفع الأسعار إلى الهبوط المستدام.
قال محللو البنك في مذكرة: «استئناف تدفقات الطاقة عبر مضيق هرمز سيظل العامل الحاسم لتحقيق تراجع مستقر وحقيقي في الأسعار».
أشار ترامب إلى أن البحرية الأميركية قد تتولى مرافقة وتأمين ناقلات النفط والغاز أثناء عبورها مضيق هرمز بهدف حماية حركة الشحن من تهديدات الصواريخ الإيرانية.
في الوقت نفسه، اقترح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إطلاق مهمة بحرية مشتركة لتأمين السفن في هذا الممر الحيوي بمجرد أن تهدأ المرحلة الأولى من الحرب.
يمثل مضيق هرمز شرياناً حيوياً لتجارة الطاقة العالمية، إذ يمر عبره نحو خُمس تدفقات الغاز الطبيعي المسال في العالم، معظمها من أكبر منشأة لإنتاج الغاز الطبيعي المسال في قطر، والتي توقفت عن العمل منذ الأسبوع الماضي.
وأكدت إيران بعد أيام من اندلاع الحرب أنها سيطرت بالكامل على المضيق وحذرت السفن من العبور، ما أسفر عن توقف شبه كامل لحركة السفن، وهو ما تسبب في اضطراب واسع في حركة تجارة الطاقة العالمية.
أدى هذا الصراع، الذي دخل أسبوعه الثاني، إلى اضطراب عميق في تجارة النفط والغاز العالمية، ما يهدد بحدوث أكبر صدمة في الإمدادات منذ الغزو الروسي لأوكرانيا في عام 2022، وفقاً لمذكرة صدرت عن «بنك أوف أميركا».
قال محللو السلع في «غولدمان ساكس»: «تبدو أوروبا في موقف حساس بشكل خاص، إذ إن احتياطيات الغاز لديها منخفضة بشكل غير معتاد مع اقتراب نهاية فصل الشتاء».
وقال محللو البنك في مذكرة: «تحتاج الدول الأوروبية إلى استيراد كميات كبيرة من الوقود خلال الصيف لإعادة ملء المخزونات قبل حلول فصل الشتاء المقبل».
كما حذر محللو البنك من أن يضع أي اضطراب طويل في إمدادات الغاز الطبيعي المسال أوروبا أمام تحديات كبيرة في إعادة ملء مخزوناتها قبل الشتاء المقبل، خاصة أن القارة تعتمد بدرجة متزايدة على الواردات البحرية منذ تراجع الإمدادات الروسية عبر خطوط الأنابيب.
بدأت عدة ناقلات للغاز الطبيعي المسال بالفعل في تغيير مسارها نحو آسيا، حيث يعتمد المشترون هناك بدرجة أكبر على إمدادات الشرق الأوسط، كما يسارعون الآن إلى البحث عن مصادر بديلة للطاقة.
أوضح بن صموئيل، محلل أسواق الطاقة في شركة «ماريكس»، أن شحنات الغاز الطبيعي المسال ستشهد منافسة شرسة للغاية بين المشترين، مضيفاً أن هذا التنافس سيظل قوياً حتى يعود قدر من الاستقرار إلى منطقة الخليج.
قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب إن الولايات المتحدة ستتخلى عن بعض العقوبات المتعلقة بالنفط كوسيلة لضمان إمدادات نفط وغاز كافية.
تابع الرئيس الأميركي: «الولايات المتحدة سترفع بعض العقوبات المتعلقة بالنفط والغاز بهدف خفض الأسعار، لدينا عقوبات على بعض الدول، وسنرفعها لحين فتح مضيق هرمز».
ولم يحدد ترامب تفاصيل هذه العقوبات، إلا أن الولايات المتحدة أصدرت الأسبوع الماضي إعفاءً مؤقتاً لمدة 30 يوماً يسمح ببيع النفط الروسي العالق حالياً في البحر إلى الهند، وذلك لتخفيف الضغط على سوق النفط العالمية.
في غضون ذلك أكد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين استعداد بلاده لتزويد الدول الأوروبية بالنفط والغاز إذا طلبت ذلك في إطار تعاون دائم ومنتظم مع موسكو.
قال بوتين خلال اجتماع حكومي خُصص لمناقشة حال الأسواق: «إذا قررت شركات أوروبية ومشترون أوروبيون فجأة الانفتاح علينا مجدداً وعرض تعاون طويل الأمد ومستدام من دون ضغوط سياسية، فليتفضلوا. نحن لم نرفض ذلك إطلاقاً».
جاءت تصريحات بوتين بعد ساعات على حث رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان الاتحاد الأوروبي على تعليق العقوبات المفروضة على النفط والغاز الروسيين في ظل ارتفاع الأسعار الناجم عن الحرب في الشرق الأوسط.
ويتوقع محللو «غولدمان ساكس» أن تبقى أسعار الغاز والنفط شديدة التقلب خلال الأسابيع المقبلة، إذ ستظل الأسواق تتحرك بسرعة مع أي تطورات عسكرية أو سياسية مرتبطة بمضيق هرمز، الذي يعد أحد أهم شرايين الطاقة في العالم.
وبينما تراهن الأسواق على انحسار الصراع في الشرق الأوسط، يبقى مضيق هرمز العامل الأكثر حسماً لمسار أسعار الطاقة، إذ إن أي تعطّل طويل للإمدادات قد يعيد الأسعار إلى موجة صعود حادة.