توقعات برفع «المركزي الأوروبي» أسعار الفائدة
حرب إيران تعقّد مهمة الاحتياطي «الفيدرالي»

يتحرّك الدولار في نطاق متقلب اليوم الخميس، وسط مزيج من التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط وبيانات التضخم الأميركية، بينما تترقّب الأسواق قرارات البنك المركزي الأوروبي والاحتياطي الفيدرالي خلال الأيام المقبلة.
وأضعفت الضربات الأميركية الجديدة في الشرق الأوسط معنويات السوق، في حين أدّى ارتفاع مؤشر أسعار المستهلكين في الولايات المتحدة خلال مايو إلى أعلى مستوى منذ ثلاث سنوات، إلى استمرار قلق المستثمرين بشأن توقعات السياسة النقدية الأميركية.
كما تسبّب أحدث تصعيد في إثارة توتر الأسواق؛ ما دفع أسعار النفط إلى الارتفاع، وزادت العقود الآجلة لخام برنت بأكثر من دولارين إلى 95.50 دولار للبرميل، وأجّج مخاوف التضخم من جديد، وزاد صعوبة البنوك المركزية التي تواجه معضلة مزدوجة بين دعم النمو وكبح الأسعار.
ويشير محللون إلى أن الأسواق باتت تتعامل مع التضخم الناجم عن الطاقة باعتباره عنصراً مستمراً وليس صدمة مؤقتة؛ ما يرفع حساسية الدولار لأي تطورات في الشرق الأوسط.
تتجه الأنظار في وقت لاحق اليوم إلى اجتماع السياسة النقدية للبنك المركزي الأوروبي، مع مؤشرات على استعداده لرفع أسعار الفائدة لمواجهة التضخم.
بلغ اليورو 1.1553 دولار، مبتعدًا قليلًا عن أدنى مستوى له في 10 أسابيع الذي سجله الأسبوع الماضي، لكنه بدد معظم مكاسبه منذ إعلان وقف إطلاق النار في أوائل أبريل.
يرى محللون أن سياسة البنك الأوروبي من غير المرجح أن تتعارض مع التوقعات الحالية للأسواق برفع الفائدة مرتين أخريين بعد الزيادة المتوقعة هذا الأسبوع.
وتأتي هذه التوقعات في وقت يحاول فيه البنك المركزي الأوروبي الموازنة بين تباطؤ النمو وضغوط الأسعار المستمرة.
قال كبير محللي السوق لدى «إيه إف تي إكس غلوبال» نيك تويدال: «لا يزال هناك بعض السأم من الأخبار في السوق، فمثل هذا التصعيد قبل بضعة أسابيع كان من المحتمل أن يدفع سعر برنت إلى ما يزيد على 100 دولار للبرميل ويؤدي إلى صعود الدولار».
وأضاف تويدال في مذكرة للعملاء: «الأمر يتلخص في أن الأسواق تتوق إلى القليل من اليقين: هل سيكون هذا الصراع وإغلاق المضيق هو الوضع الراهن الجديد، أم أنه مجرد أسلوب تفاوضي آخر يحيي آمال السلام؟».
منذ بداية حرب إيران، يرتفع الدولار بنحو 2% مقابل سلة من العملات، قرب أعلى مستوياته في شهرين، بعد أن كان قريباً من أدنى مستوياته في 10 أشهر قبل اندلاع الحرب.
يعكس ذلك تحولاً في سلوك المستثمرين من رد الفعل الفوري إلى التسعير المسبق لسيناريوهات التصعيد الممتد، وفقاً لمذكرة أصدرها بنك «إي إن جي» الهولندي.
مع بيانات التضخم الأخيرة، لا يزال خبراء الاقتصاد يرون أن الأمر لا يستدعي حتى الآن تشديد السياسة النقدية، إذ ارتفع مؤشر أسعار المستهلكين في الولايات المتحدة 4.2% خلال الـ12 شهراً حتى مايو، وهو أكبر ارتفاع منذ أبريل 2023.
وارتفع مؤشر أسعار المستهلكين الأساسي 0.2% خلال مايو، بعد زيادته 0.4% في أبريل، ما عزّز الآمال في إمكانية احتواء ضغوط الأسعار الناجمة عن صدمة الطاقة، لكن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة قد يعيد فتح النقاش داخل «الفيدرالي» حول مدى استدامة هذا التباطؤ في التضخم الأساسي.
وفقاً لأداة توقع أسعار الفائدة «فيد ووتش»، يُتوقع رفع أسعار الفائدة 25 نقطة أساس في ديسمبر، وهو تحول حاد عن التوقعات بخفضها مرتين هذا العام قبل اندلاع حرب إيران في نهاية فبراير.
أدّت الحرب إلى تعطل الملاحة في مضيق هرمز، المسؤول عن عبور نحو 20% من إمدادات الطاقة العالمية؛ ما دفع أسعار النفط إلى الصعود قرب أعلى مستوياتها في نحو 4 سنوات، وأعاد توقعات رفع أسعار الفائدة إلى الواجهة من جديد.
ويُعد الاقتصاد الأميركي أقل تأثراً نسبياً بصدمات الطاقة مقارنة بدول أخرى؛ ما دفع المستثمرين للإقبال على الدولار كملاذ آمن خلال حرب إيران، مع بيع اليورو والين، في وقت تضررت فيه اقتصادات أوروبا وآسيا نظراً لاعتمادها بدرجات متفاوتة على نفط الشرق الأوسط.
قال كبير إستراتيجيي السوق في شركة «كورباي في تورنتو» كارل شاموتا: «تجنب التضخم الأساسي التسارع الذي كان يُخشى منه على نطاق واسع الشهر الماضي؛ ما يشير إلى أن ارتفاع أسعار الطاقة لم يؤثر بعد في الإجراءات الأساسية التي يستهدفها مجلس الاحتياطي الفيدرالي».
وأكد كبير محللي العملات الأجنبية في بنك «سوسيتيه جينرال» كيت غوكس: «بدت الأوضاع هادئة بما يكفي لتبعدنا قليلاً عن حافة الهاوية في ما يتعلق بتوقعات أسعار الفائدة. أعتقد أن البنك المركزي الأوروبي سيكتفي برفع واحد فقط في الوقت الحالي، و(الفيدرالي) ربما في نهاية العام».
في حين توقع خبراء «غولدمان ساكس» أن يُبقي الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة دون تغيير حتى عام 2026، مع تأجيل أي خفض محتمل إلى عام 2027، استناداً إلى استمرار قوة النشاط الاقتصادي وسوق العمل الأميركي.
وتترقب السوق اليوم إصدار مؤشر أسعار المنتجين الأميركي، الذي سيوفر للمستثمرين المزيد من البيانات لتقييم موقف السياسة النقدية لمجلس الاحتياطي الفيدرالي.
بدا الرئيس الأميركي دونالد ترامب أمس الأربعاء وكأنه يرحب بالبيانات التي تشير إلى ارتفاع معدل التضخم إلى ما يزيد على 4%، وقال للصحفيين إنه يحب التضخم، وعبر مجدداً عن اعتقاده بأن الأسعار ستنخفض فور انتهاء حرب إيران.
وردا على سؤال حول بيانات الحكومة الأميركية التي تظهر أن التضخم الاستهلاكي ارتفع في مايو بأسرع وتيرة منذ ثلاث سنوات، وما إذا كان ذلك يعرقل زملاءه الجمهوريين قبل أشهر قليلة من انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، قال ترامب: «أنا أحب التضخم».
كما اعتبر ترامب الحرب على إيران بمثابة منعطف، ووضعها في إطار مسألة أمن قومي، حيث أدى إغلاق طهران لممر الشحن الرئيسي إلى ارتفاع تكلفة البنزين والأسمدة وسلع أخرى؛ ما أسهم في التضخم.
ويرى محللون في بنك «إي إن جي» أن ارتفاع الأسعار قد يمنع مجلس الاحتياطي الفيدرالي من خفض أسعار الفائدة، وهو ما يدعو إليه ترامب منذ عودته إلى السلطة العام الماضي.