ارتفاع الين بعد فوز تاكايتشي يزيد الأزمة
السوق تترقب بيانات الوظائف غير الزراعية

يعود الدولار إلى دائرة الخطر مجدداً، بعدما فقد زخمه أمام موجة عزوف متزايدة عن الأصول الأميركية، وسط تصاعد الشكوك حول قوة الاقتصاد الأميركي ومسار السياسة النقدية.
مع اقترابه من أدنى مستوياته منذ يناير 2021، تتزايد التساؤلات: هل نحن أمام تصحيح عابر، أم بداية مرحلة ضعف ممتدة للعملة الأقوى عالمياً؟
عمّق الدولار من تراجعاته في التعاملات المبكرة اليوم الأربعاء، ليقترب بشدة من أدنى مستوياته في أربع سنوات، مع استمرار تحقيق الين الياباني مكاسب كبيرة، رغم فوز رئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي الساحق في الانتخابات؛ ما يضعها في موقف قوي في ما يخص السياسات المالية.
وتذبذب الدولار قبل صدور تقرير الوظائف غير الزراعية الأميركي المهم في وقت لاحق الأربعاء، بعد أن أجّجت بيانات أميركية ضعيفة المخاوف بشأن التباطؤ الاقتصادي في الولايات المتحدة، ما يعزز توقعات خفض وشيك لأسعار الفائدة.
كما ارتفع الين والسندات الحكومية اليابانية في أعقاب فوز تاكايتشي الساحق، واتجه المستثمرون إلى الأسهم اليابانية توقعاً لوصول التحفيز إلى المستهلكين والشركات اليابانية، في حين تجددت موجات بيع الدولار والعزوف عن الأصول الأميركية في ظل عدم اليقين بشأن السياسة النقدية.
قال رئيس قسم الأبحاث الكلية لآسيا في «ميزوهو» فيشنو فاراثان: «مثل هذا الفوز الساحق يمنح نظام تاكايتشي سيطرة أفضل على الجوانب السلبية للسندات الحكومية اليابانية والين».
فاراثان كتب في مذكرة للعملاء: «يمكن أن تنتهج تاكايتشي سياسة مالية أكثر تماسكاً، لديها بالتأكيد خطة منطقية من الناحية العددية، لذا لا ينبغي أن يكون هناك شك حول ذلك».
وأضاف رئيس قسم الأبحاث الكلية لآسيا في «ميزوهو»: «الين يزداد قوة والدولار على النقيض، إذ ما كانت تحتاجه تاكايتشي هو رأس المال السياسي لتنفيذ سياساتها، دون الحاجة إلى تقديم تنازلات متعددة للأطراف التي تريد المزيد من التحفيز».
تؤدي التدفقات الأجنبية للأسهم اليابانية إلى زيادة الطلب على الين، وفي المقابل يلقي الغموض بشأن مستقبل مجلس الاحتياطي الفيدرالي «البنك المركزي الأميركي» مزيداً من الضغط على الدولار والسندات الأميركية.
بيانات الوظائف الأميركية محور اهتمام المستثمرين اليوم الأربعاء، حيث من المتوقع أن ترتفع أرقام الوظائف غير الزراعية بمقدار 70 ألفاً في يناير، وأن تظل معدلات البطالة ثابتة عند 4.4%.
وازداد تراجع الدولار بعد أن أشارت مجموعة من البيانات إلى أن الاقتصاد قد يكون في حالة تباطؤ؛ ما يمنح مجلس الاحتياطي الفيدرالي «البنك المركزي الأميركي» مزيداً من المرونة لخفض أسعار الفائدة.
كما لم تتغير مبيعات التجزئة في الولايات المتحدة بشكل غير متوقع في ديسمبر، حيث قلصت الأسر إنفاقها على السيارات وغيرها من السلع باهظة الثمن؛ ما قد يضع الإنفاق الاستهلاكي والاقتصاد على مسار نمو أبطأ مع دخول العام الجديد.
إلى ذلك ينتظر المستثمرون تقرير الوظائف غير الزراعية لشهر يناير، المقرر صدوره في وقت لاحق اليوم الأربعاء، وبيانات التضخم يوم الجمعة، وكلاهما يتابعه مجلس «الفيدرالي» عن كثب لتحديد الخطوة التالية في سياسته النقدية.
قال مدير تداول المعادن لدى «هاي ريدغ فيوتشرز» ديفيد ميجر: «نشهد استقراراً في السوق قبيل صدور مجموعة من البيانات الاقتصادية المهمة في وقت لاحق الأسبوع الجاري».
وأوضح المستشار الاقتصادي للبيت الأبيض كيفن هاسيت أن معدلات نمو التوظيف في الولايات المتحدة ربما تكون أقل في الأشهر المقبلة بسبب تباطؤ نمو القوى العاملة وارتفاع الإنتاجية.
ميجر كتب في مذكرة للعملاء: «عززت التوقعات الاقتصادية الضعيفة التوقعات بخفض أسعار الفائدة، إذ يتوقع المستثمرون خفضين لأسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس خلال العام الجاري».
كما تابع: «ضعف الدولار سيستمر على ما يبدو»، مشيراً إلى أن التوتر الجيوسياسي وتوقعات خفض أسعار الفائدة لا تزال تضغط على العملة الأميركية.
أظهرت بيانات وزارة التجارة الأميركية الصادرة استقرار مبيعات التجزئة على نحو غير متوقع في ديسمبر؛ ما يلقي بضغوط على الإنفاق الاستهلاكي الذي يمثل ثلثي الاقتصاد.
وقال المدير الإداري وكبير خبراء العملات الأجنبية لدى «سكوتيا بنك» في تورونتو، شون أوزبورن: «هذه البيانات تدعم فكرة تحول المستثمرين من الأصول المقومة بالدولار إلى الملاذات الآمنة والأسواق الناشئة».
كذلك أضاف أوزبورن في مذكرة للعملاء: «دفعت الظروف في أميركا، ولا سيما المخاوف الجيوسياسية التي برزت في الشهرين الماضيين، المستثمرين إلى التفكير في أفضل السبل لاستثمار أموالهم».
تابع أوزبورن: «لم يعد الأمر يتعلق ببيع الأصول الأميركية، وإنما التحوط منها، وانخفض الدولار نتيجة لذلك».
قال فاراثان من «ميزوهو»: «كان من المتوقع أن يواصل الين سلسلة مكاسبه بعد أن أنهى موجة خسائر استمرت ستة أيام أمس الاثنين عقب فوز تاكايتشي في الانتخابات».
أضاف فاراثان: «انخفضت قيمة العملة لتقترب من عتبة 160 مقابل الدولار؛ ما أثار مخاوف من تدخل السلطات اليابانية لدعم الين».
كما أشار أوزبورن من «سكوتيا بنك» إلى أنه كان من المتوقع أن تعزز سياسة تاكايتشي، التي تشمل تخفيضات ضريبية وزيادة الإنفاق المالي، وترفع سوق الأسهم؛ ما قد يدفع بنك اليابان المركزي إلى اتخاذ موقف يميل أكثر إلى التشديد النقدي، وهي عوامل من شأنها أن تدعم الين.
يتحرك الدولار في بيئة غير مريحة؛ بيانات ضعيفة، توقعات خفض فائدة، وتصاعد شهية المخاطرة خارج الولايات المتحدة.
في المقابل، يستفيد الين من مزيج نادر يجمع بين دعم سياسي داخلي وتدفقات استثمارية خارجية.
وبين ترقب بيانات الوظائف والتضخم، يبقى الاتجاه مرهوناً بالأرقام المقبلة: إمّا ارتداد يعيد الثقة بالدولار، وإمّا كسر فعلي يفتح الباب أمام مرحلة ضعف أطول تمتد إلى دون قيعان السنوات الأربع.