النفط وتوقعات الفائدة يقلبان طاولة شهية المخاطر
السوق يعاني فقدان الثقة بالأصول وسط الضبابية

قبل اندلاع حرب إيران بأيام قليلة، كان الدولار يحوم قرب أدنى مستوياته في نحو 4 سنوات، حينما اقترب من مستويات 96 نقطة في بداية هذا العام، والآن، وبعد مرور 31 يوماً على اندلاع الصراع، قفز إلى أعلى مستوى في 10 أشهر.
والسؤال الآن: القوة التي طرأت على العملة الأميركية خلال الحرب جاءت باعتبارها أحد أهم الملاذات، أم أن هناك ما عزز تلك القوة الاستثنائية ودفع الدولار صوب أكبر ارتفاع شهري له خلال عام مقابل سلة العملات الرئيسية؟
ارتفع الدولار اليوم الاثنين، بفضل تزايد التوقعات برفع أسعار الفائدة في الولايات المتحدة العام الجاري، فيما تراجعت معنويات المستهلكين الأميركيين إلى أدنى مستوى لها في ثلاثة أشهر، إذ أثّر ارتفاع أسعار النفط الناجم عن الحرب سلباً على التوقعات الاقتصادية.
يرى محللون في بنك «آي إن جي» الهولندي أن الدولار لا يرتفع لأنه الأقوى فقط، بل لأن العالم يبدو أضعف من أن يستغني عنه في لحظة اضطراب ترتفع فيها أسعار النفط وتشتعل مخاوف التضخم.
فكلما تعمقت أزمة الطاقة واتسعت رقعة الغموض الجيوسياسي، عاد المستثمرون إلى القاعدة القديمة: «عند الخطر.. الدولار أولاً»، لأن من يحمل النقد يكسب.
لكن المفارقة أن هذا الصعود نفسه يحمل في طياته بذور اختباره، إذ إن عالماً يزداد انقساماً واعتماداً على الذات في الطاقة والتجارة قد لا يقبل هيمنة عملة واحدة إلى الأبد.
ظلت الأسواق متوترة في أسبوع آخر من التقلبات، ومدد الرئيس الأميركي دونالد ترامب مجدداً مهلة ضرب منشآت الطاقة الإيرانية، في حين قدمت واشنطن وطهران روايات متضاربة حول التقدم الدبلوماسي.
قال كبير محللي السوق لدى «كور باي» في تورونتو، كارل شاموتا: «تشهد الأسواق حالياً شعوراً عاماً بالإحباط بسبب تراجع فرص وقف إطلاق النار في الشرق الأوسط».
شاموتا أضاف: «لا يزال المستثمرون يتهافتون على شراء الأصول الآمنة الأسرع في التسييل، ويتأهبون لاحتمال استمرار إغلاق مضيق هرمز لفترة أطول».
وتابع: «تعد الولايات المتحدة مصدراً صافياً للطاقة، على عكس منطقة اليورو وبريطانيا واليابان، يعزز قوة الدولار ويحد من تأثره بأزمة الطاقة مقارنة بباقي الاقتصادات الكبرى».
تباينت آجال سندات الخزانة الأميركية، مع قلة المشترين في وقت يسارع فيه المستثمرون إلى تقليل المخاطر والتحول إلى النقد؛ ما يدفع المتعاملين بدورهم إلى التردد في اتخاذ القرارات.
قال العضو المنتدب في قسم تداول أسعار الفائدة العالمية لدى «ميشلر فاينانشال للوساطة المالية» توم دي غالوما: «خسرت الشركات الكثير من الأموال، سواء في جانب البيع أو جانب الشراء، لدرجة الوصول إلى أزمة سيولة مع غياب المتعاملين في سوق سندات الخزانة الأميركية».
كذلك قال محلل أسعار الفائدة الأميركية في «مورغان ستانلي» إيلي كارتر: «مع اتساع الفارق بين السعر المعروض والسعر المطلوب، يصبح تنفيذ الصفقة أكثر تكلفة وأقل جاذبية للدخول في صفقات».
وأضاف كارتر في مذكرة للعملاء: «لكن حقيقة أنك لا تزال ترى أحجاماً عالية للغاية تشير إلى أن بعض هذه الصفقات شكلت عمليات تخارج من مراكز أو تصفية قسرية».
قال محللو «كابيتال إيكونوميكس»: «مع تراجع معظم الأسهم وانخفاض الذهب، وفي وقت ارتفعت فيه أسعار النفط مع تزايد حذر المستثمرين إزاء مسار الجهود الدبلوماسية، قدّم ذلك دعماً كبيراً للدولار».
وأضافوا: «من شأن أي اضطراب طويل الأمد في إمدادات الطاقة أن يوجه ضربة أكبر للنشاط الاقتصادي، وهو ما يتوافق مع معظم أوجه الركود العالمي ويؤدي إلى دورة تشديد نقدي أوسع نطاقاً».
كما بات من المتوقع أيضاً أن يقدم بنك إنجلترا والبنك المركزي الأوروبي على تشديد السياسة النقدية، في الوقت الذي يدرس فيه بنك اليابان رفع الفائدة، ربما في أبريل.
إلى ذلك قال المحللون: «أدى تراجع الآمال في التهدئة في الشرق الأوسط إلى تأجيج خطر حدوث صدمة طويلة المدى في أسواق الطاقة، وعزز الطلب على الملاذات الآمنة».
تسعّر الأسواق علاوة المخاطر الآن في ظل غياب الحقيقة وتضارب التصريحات وعدم اليقين بشأن مسار الحرب، في وقت تقدم فيه واشنطن وطهران روايات متضاربة حول تقدم الجهود الدبلوماسية.
ورغم حديث ترامب عن تقدم المفاوضات، يدرس البنتاغون إرسال ما يصل إلى 10 آلاف جندي إضافي من القوات البرية إلى الشرق الأوسط؛ ما يقوّض آمال المستثمرين في نهاية قريبة للحرب.
محللون في بنك «كومنولث أستراليا» قالوا: «أسهَم ذلك في استمرار الطلب على الدولار، إذ يقبل المستثمرون على عملة الملاذ الآمن، فيما تزيد التوقعات برفع أسعار الفائدة الأميركية بحلول نهاية العام بسبب ضغوط التضخم الناجمة عن ارتفاع أسعار الطاقة لفترة أطول».