تواصل الحرب يفتح باباً لمزيد من الخسائر
التقلبات تتزايد مع غياب صناع السوق

تعيد الأسواق كتابة قواعد الملاذات الآمنة للمرة الأولى منذ سنوات، إذ فتحت الحرب أبواب تقلبات المعدن الأصفر، الذي فقد بريقه، وضلّ مسار الصعود القياسي الذي أنهى عليه العام الماضي، بعدما كان قاب قوسين أو أدنى من تجاوز مستويات الـ6000 دولار مطلع العام الجاري.
منذ اندلعت حرب إيران نهاية الشهر الماضي، خرج الذهب، الملاذ التقليدي، خاسراً، مبدداً مكاسبه كافة منذ بداية العام، تزامناً مع ارتفاع أسعار النفط التي أشعلت مخاوف عودة التضخم، وقلبت طاولة توقعات مسار السياسة النقدية.
خلال تعاملات اليوم الاثنين، ارتفعت أسعار الذهب على نحو طفيف، قبل أن تتراجع قليلاً، بسبب الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة، الذي زاد من تراجع التوقعات بخفض مجلس الاحتياطي الفيدرالي «البنك المركزي الأميركي» أسعار الفائدة هذا العام.
وحالياً، لم يعد الذهب يتحرك وفق منطق الحروب وحدها، بل حسب ميزان أعقد يجمع بين التضخم والدولار والفائدة، وبينما تمنحه الحروب وهج الملاذ الآمن، تسحب منه السياسات النقدية الحادة هذا الوهج بسرعة أكبر.
في سوق الذهب، الذي يتأثر بشدة بأسعار الفائدة، قال موكيش ديف، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «أرافالي لإدارة الأصول»، إن هناك أياماً غاب فيها صناع السوق تماماً؛ ما يشير إلى العزوف عن إجراء معاملات.
ودلل ديف على وجهة نظره بتراجع سعر الذهب، وهو عادةً من أصول الملاذ الآمن، هذا الشهر، بعد ارتفاع قياسي في 2025.
كما قال: «لا يريدون جني المال في الوقت الحالي، ولا يريدون خسارة المال من خلال التواجد في السوق، إذا أتيحت لهم الفرصة، فإنهم لا يريدون الوجود في السوق».
قال المدير العالمي للأسواق المؤسسية في «إيه بي سي ريفاينري» نيكولاس فرابل: «أشارت تحركات أسعار الذهب الأسبوع الماضي إلى رد فعل على حالة ذروة البيع، وإمكانية انعكاس الاتجاه الهبوطي الأخير».
أضاف فرابل في مذكرة للعملاء: «مع ذلك، يجب أن يتأكد ذلك من خلال حركة الأسعار هذا الأسبوع، ونظراً للتدفق السريع للأخبار الرئيسة، فمن الأسهل توقع حدوث تقلبات».
وارتفع سعر خام برنت إلى ما يزيد على 115 دولاراً للبرميل، كما ارتفع العقد 60% حتى الآن في مارس، وهو ارتفاع شهري قياسي، مع تهديد الرئيس الأميركي بالاستيلاء على جزيرة خرج الإيرانية، واستمرار تدفق الجنود الأميركيين إلى المنطقة.
قال كبير محللي الأسواق في «آر جيه أو فيوتشرز» دانيال بافيلونيس: «وفرت عمليات البيع الأخيرة فرصة جيدة حقاً؛ إذ انخفضت السوق، وتراجعت الأسعار إلى ما دون المتوسط المتحرك في 200 يوم، وهذا وقت مناسب لشراء الذهب».
وأضاف بافيلونيس في مذكرة للعملاء: «سنشهد ارتفاعاً تدريجياً خلال الأسبوعين المقبلين، وإذا تجاوزنا هذه الأزمة الإيرانية، فستكون لدينا فرصة ممتازة للعودة إلى الاستثمار في الأصول عالية المخاطر».
بافيلونيس تابع أيضاً: «امتدت الحرب، وهي الآن في شهرها الثاني، إلى أنحاء مختلفة من الشرق الأوسط؛ ما أثر على الاقتصاد العالمي مع ارتفاع أسعار الطاقة والأسمدة، الأمر الذي أدى إلى تزايد المخاوف من التضخم».
بحسب أداة «فيد ووتش» التابعة لـ«سي إم إي»، يستبعد المتعاملون تماماً أي تيسير للسياسة النقدية الأميركية في عام 2026، مقارنة بتوقعات سابقة كانت تشير إلى خفض أسعار الفائدة مرتين قبل اندلاع الصراع.
وأظهرت الأداة أن العقود الآجلة لأسعار الفائدة تشير الآن إلى بقاء الفائدة دون تغيير في اجتماعي مايو ويونيو المقبلين.
وفقاً للأداة، يتوقع المستثمرون بنسبة 46% رفع سعر الفائدة الأميركية بمقدار 25 نقطة أساس في ديسمبر.
كما تأتي هذه التوقعات في ظل تحول حاد مقارنة بتوقعات سابقة أشارت إلى تيسير نقدي بأكثر من 50 نقطة أساس قبل الحرب.
كبير محللي السوق لدى «كيه.سي.إم تريد» تيم ووترر أوضح: «استمرار زخم الدولار يحرم الذهب من البدء في استعادة عافيته؛ إذ إن ارتفاع التضخم والمخاطر الجيوسياسية قد يُبقي أسعار الفائدة ثابتة أو يدفع إلى رفعها».
وأضاف: «كانت توقعات خفض أسعار الفائدة الأميركية حجر الزاوية في صعود الذهب، لكن ارتفاع أسعار النفط أضعف الآمال في التيسير النقدي؛ ما أدى إلى حدّ ما إلى سحب البساط من تحت أسعار الذهب».
كما أشارت محللة المعادن لدى «بروجيكت» ريبيكا كريستي إلى أن الذهب دخل عام 2026 عند مستويات قياسية مرتفعة تاريخياً؛ ما حدّ من إمكاناته للارتفاع رغم حالة عدم اليقين الناجمة عن الحرب.
وكتبت كريستي: «دفعت تلك الارتفاعات، مع تداعيات الحرب على أسعار الطاقة وتوقعات الفائدة، الذهب إلى أن يكون أقرب إلى المضاربة منه إلى كونه وسيلة تحوط مضمونة».
محللة المعادن لدى «بروجيكت» ريبيكا كريستي أكدت: «يبدو أن الذهب يمر بأحد أصعب اختباراته منذ سنوات، إذ يفقد تدريجياً دوره التقليدي كملاذ آمن في مواجهة مزيج معقد من التضخم المرتفع، وقوة الدولار، وتشدد السياسة النقدية».
وبينما كانت الحروب تاريخياً وقوداً لارتفاعه، جاءت هذه المرة بنتيجة عكسية، لتكشف أن ميزان الأسواق تغير، وأن الذهب لم يعد الرابح التلقائي في أوقات الأزمات، مع دخول النفط في قلب المعادلة.
ويبقى السؤال المطروح: هل يستعيد المعدن الأصفر بريقه مع أي تهدئة مقبلة، أم أن عصر الملاذ الآمن يواجه اختباراً قد يعيد تعريف دوره في النظام المالي العالمي؟