العقود الآجلة الأميركية تسجل ارتفاعات جماعية
الأسهم تتسابق إلى ذروات تاريخية ومهيأة للمزيد

ترتفع الأسهم العالمية بوتيرة قوية لليوم الثاني على التوالي، مدفوعة برهانات متزايدة على اقتراب تسوية بين واشنطن وطهران، في وقت تعيد فيه الأسواق تسعير المخاطر الجيوسياسية من الحرب إلى احتمال انتهائها، رغم استمرار غموض المشهد السياسي والعسكري.
المفارقة أن الأسهم ظلت الأسرع بين الأصول في تلقف الأنباء الإيجابية وتسعير احتمالات السلام؛ إذ تتداول أسهم اليابان و«وول ستريت» عند مستويات قياسية، رغم أن السردية التاريخية التي تربط بين الأسهم التي تُصنَّف كأصول عالية المخاطر والتوترات غالباً ما كانت عكسية.
الأسواق حالياً لا تسعّر الحرب القائمة، بل السيناريو المحتمل لانتهائها؛ وهو ما يفسر التناقض بين استمرار التوتر وارتفاع الأسهم.
يرى محللون أن تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب انعكست سريعاً على السوق، مع تحول مزاج المتداولين من العزوف عن المخاطرة إلى تسعير انتهاء الحرب والتوصل إلى اتفاق.
قال ترامب، على نحو غير متوقع أمس الثلاثاء، إنه سيوقف مؤقتاً عملية مرافقة السفن عبر مضيق هرمز، مشيراً إلى إحراز تقدم نحو اتفاق شامل مع إيران، دون أن يقدم تفاصيل عن الاتفاق.
ويبدو أن الأسواق اعتبرت التصريحات إشارة مباشرة إلى أن واشنطن تفتح الباب أمام تسوية سياسية، حتى مع استمرار الضغط العسكري.
ارتفع مؤشر MSCI للأسهم الآسيوية 1% مسجلاً مستوى قياسياً، حيث قادت أسهم التكنولوجيا المكاسب وسط تفاؤل متجدد بشأن قطاع الذكاء الاصطناعي.
وقفزت أسهم كوريا الجنوبية، التي تُعد مثالاً بارزاً للاستثمارات في الذكاء الاصطناعي، 5%، لتسجل أعلى مستوى لها على الإطلاق، مع وصول قيمة شركة «سامسونغ» للإلكترونيات إلى تريليون دولار.
قال محلل الأسواق في «وولف للأبحاث» كريس سينيك: «مع انخفاض علاوات المخاطر الجيوسياسية، يُحسّن احتمال انخفاض تكاليف الطاقة وتراجع حالة عدم اليقين من آفاق النمو العالمي؛ ما يعزز دعم الأسهم حتى عند مستويات قياسية».
أضاف سينيك: «يتزامن هذا الوضع مع انتعاش قطاع الذكاء الاصطناعي، حيث يدعم انخفاض ضغوط التضخم وتحسن المعنويات التوقعات بتحقيق أرباح أقوى للشركات».
سجل المؤشران «ستاندرد آند بورز 500» و«ناسداك» المجمع ارتفاعاً قياسياً عند إغلاق «وول ستريت» أمس الثلاثاء، بدعم مكاسب سهم «إنتل» وغيره من أسهم الشركات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
وقال محلل استراتيجيات الاستثمار لدى «يو إس بنك ويلث مانجمنت» توم هاينلين: «لا يزال الإنفاق التجاري قوياً، سواء كان على الذكاء الاصطناعي أو أدوات الإنتاجية الأخرى، ويواصل المستهلكون الإنفاق».
انتعشت الأسهم الأوروبية على نحو طفيف أمس الثلاثاء، بعد انخفاضها في جلسة الاثنين، مدعومة بارتفاع قطاع التكنولوجيا وسلسلة من نتائج أعمال الشركات الإيجابية، ودعم مؤشرات تراجع التوتر بين الولايات المتحدة وإيران.
وصعد المؤشر «ستوكس 600» الأوروبي 0.7% عند الإغلاق إلى 609.72 نقطة بعد أن سجل أكبر انخفاض منذ شهر في جلسة أمس الاثنين.
كما انعكست المكاسب على البورصات الرئيسة في أوروبا، باستثناء المؤشر «فاينانشال تايمز 100» البريطاني الذي تراجع 1.4%، بعد أن هبط سهم بنك «إتش إس بي سي» المدرج في بورصة لندن 6.2% بعد الإعلان عن خسارة غير متوقعة بلغت 400 مليون دولار.
فيونا شينكوتا، كبيرة محللي السوق لدى «سيتي إندكس» قالت : «مثلت نتائج أعمال الشركات ومحاولة التهدئة بين واشنطن وطهران دعماً نسبياً، إذا كانت الشركات لا تزال تحقق أرباحاً، فسيؤدي ذلك إلى استمرار المعنويات الإيجابية».
قال سينيك في مذكرة للعملاء: «كانت توقعاتنا الأساسية للأسواق والاقتصاد هي أنه سيكون هناك حل قريب المدى بين الولايات المتحدة وإيران؛ ما يسمح بانخفاض أسعار الطاقة بعد إعادة فتح مضيق هرمز».
وفقاً لاستراتيجيين في شركة «جي بي مورغان تشيس» بقيادة ميسلاف ماتيكا، فإن انتعاش الأسهم العالمية من أدنى مستوياتها في أعقاب حرب إيران كان ضيقاً للغاية لدرجة أن السوق مهيأة لتحقيق مكاسب أوسع نطاقاً حتى مع الأخبار الإيجابية غير المؤكدة.
كما يرى المحلل لدى «نيو إيغ ألفا» للأبحاث جوليان كوسكي أن «العديد من المستثمرين يحاولون قراءة المؤشرات حول ما سيحدث لاحقاً في ما يتعلق بحرب إيران وأسعار النفط، لكن الأسهم تاريخياً تتجاوز الأحداث الجيوسياسية بسرعة، ونعتقد أن هذه القضية الحالية ليست مختلفة».
وبين رهانات السلام وتقلّب التوترات الجيوسياسية، تبدو الأسواق وكأنها لا تنتظر نهاية الحرب بقدر ما تحاول تسعير احتمال انتهائه وهو رهان قد يتحول سريعاً إلى مكسب أو انعكاس حاد في الاتجاه.