تكهنات بضخ 35 مليار دولار
حرب ونفط ودولار يخنقون الين

في سوق لا يعترف بالهدوء، تتحول العملات إلى ساحة اختبار مباشر للحرب والنفط والسياسة النقدية، ارتفع الين فجأة وبقوة، ثم بدّد جزءاً من مكاسبه، وأخيراً بدأ في الانزلاق مجدداً أمام صديقه وعدوه اللدود الدولار.
إلا أن حرب إيران يبدو أن لها رأياً آخر، إذ لم تعد تحركات الين تُقرأ من زاوية الفائدة وحدها، بل من زاوية المخاطر الجيوسياسية وتكلفة الطاقة.
هذا الرأي قد يكلف اليابان مزيداً من المليارات لدعم عملتها التي انزلقت قرب أدنى مستوياتها في 38 عاماً، وارتفعت يوم الجمعة الماضي حوالي 3% أمام الدولار الأميركي، مع تصريحات المسؤولين في اليابان بأنهم سيتدخلون لمنع التقلبات المفرطة في سوق الصرف.
لتحديد حجم التدخل المتوقع في سوق الصرف، في العام 2024 تدخلت اليابان مرتين في الأسواق في مايو ويوليو، وأنفقت في الإجمالي حوالي 120 مليار دولار لدعم العملة عبر بيع الدولار وشراء الين.
في 2024 كان سبب الهبوط فقط توقعات تثبيت الفائدة من جانب الفيدرالي واستمرار التشديد النقدي بعد بيانات وظائف صادمة في الولايات المتحدة، لكن هذا النموذج لم يعد صالحاً اليوم مع دخول النفط كعامل تسعير رئيسي للعملات الآسيوية.
السيناريو في 2026 يختلف، مع دخول النفط في المعادلة، إذ إن ارتفاع البرميل لا يؤثر فقط على توقعات الفائدة، بل على اقتصاد اليابان الذي يعتمد في 90% من وارداته على الطاقة القادمة من الشرق الأوسط. ومع الإغلاق شبه التام لمضيق هرمز لأكثر من شهرين، تتفاقم أزمة اليابان.
واشتعلت مخاوف التضخم في جميع أنحاء العالم بعد أن أدى إغلاق مضيق هرمز – وهو شريان حيوي لنحو خمس تدفقات النفط العالمية – إلى صدمة في قطاع الطاقة أبقت أسعار النفط الخام أعلى من 100 دولار للبرميل إلى حد كبير منذ اندلاع الحرب في أواخر فبراير، وهو ما أعاد ربط سوق العملات مباشرة بتسعير المخاطر الجيوسياسية، لا بالسياسات النقدية فقط.
لم يبتعد الين كثيراً عن أقوى مستوى له في شهرين بعد مكاسب حادة منذ يوم الخميس، إذ أفادت تقارير يابانية بأن السلطات تدخلت في سوق العملات لوقف موجة بيع حادة للعملة.
وأثارت الضربات الأميركية والإيرانية الجديدة في الخليج أمس الاثنين قلق الأسواق، مما شكل اختباراً صعباً للهدنة الهشة وأبقى المستثمرين في حالة توتر وقلل من الرغبة في المخاطرة.
وأدى ذلك إلى ارتفاع الدولار، مع احتفاظ اليورو بخسائره، كما تراجع الجنيه الإسترليني والدولار الأسترالي والنيوزيلندي إلى جانب الين.
قال كبير محللي السوق في «إيه.تي.إف.إكس جلوبال» نيك تويدال: «بينما شهدنا تحولاً واضحاً نحو تجنب المخاطرة، لم نشهد بعد التحركات الكبيرة التي من المرجح أن تصاحب تصعيداً كاملاً في الأعمال القتالية، ما يعني أن السوق لا يزال في مرحلة تسعير القلق وليس تسعير الأزمة».
لفت تويدال إلى أن البيانات الصادرة الأسبوع الماضي تشير إلى إنفاق طوكيو ما يقرب من 35 مليار دولار لدعم الين، غير أنه اتفق مع محللين كثيرين على استبعاد أن يدعم ذلك العملة اليابانية على المدى الطويل.
وظل الين يعاني لسنوات، متأثراً بأسعار الفائدة المنخفضة للغاية في اليابان والفجوة المتزايدة مع الأسواق المتقدمة ذات العوائد الأعلى، بالإضافة إلى القلق المالي المتزايد. وزادت أزمة الطاقة الناجمة عن الحرب من الضغوط.
وأثار الارتفاع الوجيز في الين تكهنات بأن اليابان تدخلت مرة أخرى، خاصة بعد أن حذر المسؤولون الأسبوع الماضي من مثل هذه التحركات خلال عطلة الأسبوع الذهبي، بينما كانت الأسواق اليابانية في عطلة حتى غد الأربعاء.
صعد مؤشر الدولار، الذي يقيس أداء العملة الأميركية مقابل سلة من ست عملات، بنسبة 0.1% إلى 98.47 نقطة.
وقال محللون في بنك «أي إن جي»: «لا يزال المؤشر، الذي انخفض من أعلى مستوى بلغه بعد الحرب الأميركية على إيران في أوائل مارس، يتلقى دعماً من عدم التوصل إلى حل للصراع الخاص بإيران».
وساد الحذر الأسواق اليوم بعدما قالت وسائل إعلام إيرانية إن صاروخين أصابا سفينة حربية أميركية، في حين نفت واشنطن ذلك، وقالت إن مدمرتين تابعتين للبحرية دخلتا الخليج لكسر الحصار الإيراني، وإن سفينتين أميركيتين عبرتا المضيق.
قال رئيس قسم التداول في شركة «مونكس يو.إس.إيه» خوان بيريز: «الحصار هو ما يبقي الأمور معلقة، وسيظل الدولار مستقراً ما دام كل شيء معلقاً».
أضاف بيريز في مذكرة: «الإقبال على المخاطرة سيزداد بمجرد التوصل إلى أي اتفاق سلام، وهذا سيؤثر سلباً على الدولار».
لم يؤكد مسؤولو وزارة المالية اليابانية التدخل صراحة رغم التلويح به، لكن المتعاملين ما زالوا يترقبون أي إجراء تقوم به السلطات بعد توقعاتهم الأسبوع الماضي بأنها قد تتدخل لدعم العملة.
وقال المسؤول عن استراتيجية أسعار صرف العملات الأجنبية لدى «بي.بي.في.إيه» روبرتو كوبو جارسيا: «مبررات التدخل قوية بالنظر إلى تأثير انخفاض قيمة الين على التضخم عبر أسعار الواردات، وشعور الإدارة الأميركية بارتياح تجاه هذا الإجراء، واحتياطيات اليابان الوفيرة من العملات الأجنبية».
أضاف: «نتوقع أن يظل التدخل فعالاً في كبح سعر صرف الين مقابل الدولار ليكون دون مستوى 160، كما حدث في العام 2024، ومن المرجح أن تدافع وزارة المالية عن هذا المستوى إذا تعرض للاختبار مجدداً في الأسابيع المقبلة».
وبين تدخلات لا تعترف بها طوكيو، وحرب لا تتوقف في الشرق الأوسط، يبقى الين عالقاً بين اقتصاد يرفض الإنقاذ… وسوق يرفض الانتظار.