البنوك تراهن على ديسمبر
السندات تعيد رسم المعادلة

كشف محضر اجتماع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، الصادر أمس الأربعاء، انقساماً بين صناع السياسة النقدية بشأن دوافع التشديد، رغم اتفاقهم على ضرورة مواجهة التضخم المرتفع.
أعاد المستثمرون تقييم احتمالات رفع الفائدة خلال الاجتماعات المقبلة، مع تراجع رهانات أكتوبر، بينما عززت بيانات التوظيف الأخيرة توقعات التريث قبل اتخاذ قرار جديد بشأن تكاليف الاقتراض.
ورجحت بنوك استثمارية تأجيل الزيادة المقبلة إلى ديسمبر، لكن تقديراتها تباينت بشأن استمرار التشديد خلال 2027، وسط تصاعد تأثير عوائد السندات المرتفعة في الأوضاع المالية.
توقع بنك «نومورا» رفع الفائدة الأميركية بمقدار 25 نقطة أساس في ديسمبر، يعقبه تثبيت طويل خلال 2027، مخالفاً تسعيرات السوق التي تعكس احتمالات تنفيذ ثلاث زيادات إضافية.
أرجع البنك تقديراته إلى استمرار التضخم الأساسي فوق مستهدف الفيدرالي، لكنه رجح تراجع الضغوط الناجمة عن ارتفاع تكاليف الطاقة تدريجياً، بما يسمح بإنهاء دورة التشديد.
واعتبر «نومورا» أن الجزء الأكبر من التضخم الحالي يرتبط بصدمات التكاليف، وليس بزيادة الطلب وحدها، ما يحد من الحاجة إلى مواصلة رفع الفائدة طوال العام المقبل.
توقع كبير الاقتصاديين لدى «جوليوس باير»، ديفيد كول، زيادة أخيرة بمقدار 25 نقطة أساس في ديسمبر، تعقبها فترة مطولة من تثبيت الفائدة، بعد ظهور مؤشرات على تباطؤ سوق العمل.
وأوضح كول أن ارتفاع عوائد السندات طويلة الأجل وقوة الدولار يؤديان بالفعل إلى تشديد الأوضاع المالية؛ ما يقلص الحاجة إلى زيادات متتابعة في أسعار الفائدة قصيرة الأجل.
كما ربط الاقتصادي فرص انتهاء دورة التشديد بتأثير ارتفاع تكاليف الاقتراض في نشاط الشركات والأسر، ومدى قدرة السياسة النقدية الحالية على احتواء الطلب دون إلحاق ضرر أكبر بالنمو.
توقع بنك «جيسكي» الدنماركي رفع الفائدة الأميركية مجدداً في ديسمبر، قبل استئناف خفضها في سبتمبر 2027، معتبراً أن الأسواق تسعر تشديداً أكبر مما ترجحه توقعاته.
وأشار البنك إلى أن ارتفاع تكاليف الطاقة يدفع البنوك المركزية نحو مزيد من التشديد خلال العام الحالي، لكنه لا يستدعي بالضرورة استمرار دورة الرفع طوال العام المقبل.
كذلك رجح «جيسكي» أن يسمح انحسار الضغوط التضخمية باستئناف التيسير النقدي لاحقاً، بشرط عدم انتقال ارتفاع أسعار الطاقة إلى الأجور والخدمات بصورة أكثر استمراراً.
اعتبر كبير الاقتصاديين الأميركيين لدى «إس جي إتش ماكرو أدفايزرز»، تيم دوي، أن بيانات التوظيف الأخيرة تحمل إشارات أكثر أهمية لمسار الفائدة خلال 2027 مقارنة بقرار ديسمبر.
ورجح دوي تثبيت الفائدة في أكتوبر ورفعها في ديسمبر، لكنه لفت إلى أن تطورات سوق العمل ستحدد احتمالات تسريع التشديد خلال اجتماعي يناير ومارس المقبلين.
بالمقابل ركزت قراءته على التوازن بين تباطؤ التوظيف واستمرار الضغوط السعرية، باعتباره العامل الذي قد يحدد ما إذا كان الفيدرالي بحاجة إلى دورة إضافية من الزيادات.
حذر الاقتصادي لدى «غولدمان ساكس»، بييرفرانشيسكو مي، من أن استمرار ارتفاع عوائد السندات طويلة الأجل يضغط على التمويل العقاري واستثمارات الشركات، ويهدد بإبطاء نمو الاقتصاد الأميركي.
قدر البنك أن ارتفاع تكاليف الاقتراض قد يخفض نمو الاستهلاك بمقدار 0.2 نقطة مئوية خلال 2027، بينما قد يؤدي ضعف عوائد الأسهم إلى خصم 0.5 نقطة إضافية من النمو.
وأشار «غولدمان ساكس» إلى حساسية إنفاق الأسر لتغير قيمة الأصول المالية، معتبراً أن استمرار الضغط على الأسهم قد يضاعف تأثير تكاليف التمويل المرتفعة في الاستهلاك.
توقع متوسط تقديرات نحو 60 محللاً لسوق الدخل الثابت انخفاض عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل عشر سنوات إلى 5% بنهاية العام، ثم 4.9% خلال ستة أشهر، و4.75% خلال عام.
كما رجح المحللون أن تكون تسعيرات التشديد النقدي مبالغاً فيها، رغم استمرار مخاطر التضخم وزيادة إصدارات الدين والاقتراض المرتبط بالاستثمارات الضخمة في الذكاء الاصطناعي.
وحذر بعض المشاركين من استمرار العوائد المرتفعة على المدى القصير، مع تصاعد احتياجات الاقتراض الحكومي والضغوط على سوق السندات، حتى إذا تباطأ الفيدرالي في رفع الفائدة.
تترقب المؤسسات المالية بيانات التضخم الأميركية المقررة في 14 أكتوبر، قبل اجتماع الفيدرالي يومي 27 و28 من الشهر نفسه، لاختبار احتمالات اتساع الضغوط السعرية.
وترجح توقعات «نومورا» و«جوليوس باير» أن تكون زيادة ديسمبر الأخيرة في دورة التشديد، بينما تترك تقديرات مؤسسات أخرى الباب مفتوحاً أمام تحركات إضافية خلال 2027.
ويبقى مسار التضخم الأساسي وسوق العمل وعوائد السندات محدداً رئيسياً لترجيحات البنوك بشأن توقيت الزيادة المقبلة، واحتمالات تمديد تثبيت الفائدة بعد ديسمبر.