استقلال الفيدرالي وأزمة التكنولوجيا على الطاولة
تقلبات العملات وقصة الدولار/ين تربك المتداولين

افتتحت الأسواق العالمية الأسبوع تحت ضغط استثنائي، مع امتداد موجة الانهيار الحاد في المعادن النفيسة إلى الأسهم والعملات، في مشهد أعاد إلى الأذهان فترات التصحيح العنيف بعد موجات صعود مفرطة.
وتراجعت شهية المخاطرة على نطاق واسع، وسط مزيج من عمليات جني أرباح قسرية، وإعادة تسعير سريعة للتوقعات النقدية، وتصاعد القلق حيال استقلالية مجلس الاحتياطي الفيدرالي، ما دفع المستثمرين إلى تقليص مراكزهم عبر مختلف فئات الأصول.
في غضون ذلك تراجعات الأسواق الآسيوية، مع افتتاحة سلبية لمؤشرات العقود الآجلة الأميركية والتي تأتي استمراراً لموجة التراجعات التي بدأت ليلة الجمعة، كما استهلت الأسواق في أوروبا تعاملات اليوم على تراجعات واسعة.
قال كبير محللي السوق لدى «كيه سي إم تريد»، تيم ووترر: «يشعر المتداولون بالقلق إزاء الاضطرابات التي شهدها سوق المعادن الثمينة يوم الجمعة وامتدت حتى اليوم».
وأضاف في مذكرة للعملاء: «الإغلاقات القسرية في أسواق المعادن الثمينة، وسط ارتفاع هوامش الربح، تؤدي إلى تصفية أصول أخرى، لذا فإن انخفاض أسعار الذهب والفضة له تأثير متسلسل في بقية السوق».
وانخفض الذهب ما يقرب من 15% منذ يوم الجمعة الماضي، كما تراجعت الفضة أكثر من 33%، وكذلك البلاتين، في حين هبط البلاديوم بنحو 25%.
قال ووترر: «تشير تحركات الأسعار يوم الاثنين إلى تزايد عدم الاستقرار بعد ارتفاع مطول في أسعار المعادن النفيسة، ومستويات قياسية متتالية في أسواق الأسهم، مدفوعة باستثمارات بمليارات الدولارات في الذكاء الاصطناعي».
في الوقت نفسه، يعيد المستثمرون تقييم الأسعار وتعديل توقعاتهم بشأن السياسة النقدية في ظل احتمال تولي كيفن وارش رئاسة مجلس الاحتياطي الفيدرالي، وسط دعوات متكررة من ترامب لخفض أسعار الفائدة، وفقًا لمحلل «كيه سي إم تريد».
قال كبير استراتيجيي آسيا في شركة «إندوسويز»، فرانسيس تان: «يشعر المستثمرون بالقلق من استمرار ارتفاع أسعار الفائدة لفترة أطول في الولايات المتحدة».
وأضاف في مذكرة للعملاء: «مع ذلك، يكمن ارتباك السوق في ما إذا كان ترامب سيزيد الضغط عبر توجيه سياسات نقدية أكثر تساهلًا من خلال وارش، وهو ما يسبب تقلبات في مختلف فئات الأصول».
وتابع: «تتسارع وتيرة عمليات البيع الآن، وكأن المتداولين الآسيويين يتوقون للتخلص من الأصول تحسبًا لانخفاض جديد في أسعار المعادن والأسهم مع بدء التداول في لندن».
جاءت الخسائر في قطاع التكنولوجيا بعد تصريحات الرئيس التنفيذي لشركة «إنفيديا»، جينسن هوانغ، بأن استثمار الشركة المقترح بقيمة 100 مليار دولار في «أوبن إيه آي» «لم يكن التزاماً»، وأن الشركة ستنظر في أي جولات تمويل.
قال مدير المحافظ الاستثمارية في شركة «أولسبرينغ غلوبال إنفستمنتس»، غاري تان: «من المرجح أن يكون لتصريحات جنسن تأثير في معنويات السوق على المدى القريب، لا سيما على أسهم الشركات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، التي شهدت ارتفاعاً ملحوظاً».
وأضاف تان في مذكرة للعملاء: «مثّلت هذه التصريحات حافزاً رئيسياً لجني الأرباح، حيث نشهد حالياً تصفية بعض الصفقات المزدحمة في السوق».
في حين قال استراتيجي الاستثمار في «غلوبال إكس مانجمنت»، بيلي ليونغ: «تحولت المعنويات إلى موقف دفاعي، لكن ذلك يعود أساساً إلى تقليص المخاطر، وليس إلى الذعر.. المعنويات العامة ضعيفة».
تراجع الين الياباني في السوق الآسيوية يوم الاثنين مقابل سلة من العملات الرئيسية والثانوية، ليعمق خسائره لليوم الثاني على التوالي مقابل الدولار الأميركي، مسجلًا أدنى مستوى في أسبوعين.
وجاءت تراجعات الين عقب تصريحات رئيسة الوزراء اليابانية، ساناي تاكايتشي، عن فوائد ضعف العملة المحلية.
في حين يواصل الدولار الأميركي الصعود في سوق الصرف الأجنبي، مدفوعًا بترحيب واسع من المستثمرين بترشيح دونالد ترامب كيفن وارش لرئاسة مجلس الاحتياطي الفيدرالي.
وعلاوة على ذلك، يتعرض سعر صرف الين لضغوط إضافية جراء تضاؤل احتمالات رفع أسعار الفائدة اليابانية في مارس المقبل، خاصة في ظل تراجع الضغوط التضخمية على صانعي السياسة النقدية في البنك المركزي الياباني.
قال كبير الاقتصاديين في «كابيتال إيكونوميكس»، جون هيغينز: «رد فعل الأسواق على ترشيح دونالد ترامب كيفن وارش رئيساً لمجلس الاحتياطي الفيدرالي يتوافق عموماً مع وجهة نظرنا بأن الرئيس اتخذ خياراً آمناً نسبياً».
وأضاف: «يبدو أن الانطباع السائد هو أن وارش ليس خاضعًا بالكامل لنفوذ الرئيس، وأنه لن يسهم في تقويض استقلالية مجلس الاحتياطي الفيدرالي، ولن يخفف من المخاوف بشأن انخفاض قيمة العملة».
تابع: «في الوقت ذاته تظل الأسواق مترقبة لأية تطورات سلبية في أزمة الإغلاق الجزئي الذي تعيشه الحكومة الأميركية، وهو ما يحد نسبياً من ارتفاع الدولار».
أكدت رئيسة الوزراء اليابانية، ساناي تاكايتشي، يوم السبت، أن لضعف الين جوانب إيجابية، في موقف بدا متعارضاً مع تحذيرات وزارة المالية المتكررة بشأن التدخل لدعم العملة المتعثرة.
وخلال خطاب انتخابي استعداداً للانتخابات المقررة الأسبوع المقبل، صرحت تاكايتشي قائلة: «رغم الانتقادات الموجهة لضعف الين حاليًا، فإنه يمثل فرصة ثمينة لقطاعات التصدير، من الصناعات الغذائية إلى السيارات».
أضافت: «شكّل تراجع العملة حائط صدٍ وقائياً خفف من وطأة الرسوم الجمركية الأميركية، وقدم دعمًا ملموسًا للاقتصاد».
وبين الانهيار المدوّي للمعادن النفيسة، والضغوط المتزايدة على أسهم التكنولوجيا، وتقلبات العملات التي يقودها صعود الدولار وضعف الين، تدخل الأسواق مرحلة دقيقة من إعادة التوازن.
في غضون ذلك، يرى محللون أن ما يحدث قد يكون تصحيحاً مؤلماً بعد صعود قياسي طويل، لكنه في الوقت ذاته يكشف هشاشة الثقة وسرعة انتقال العدوى بين الأصول، ليبقى السؤال مفتوحًا: هل تستعيد الأسواق هدوءها، أم أن موجة التقلب الحالية تمهّد لفصل أكثر اضطرابًا في المشهد المالي العالمي؟