
تراجعت عوائد السندات الحكومية في منطقة اليورو خلال تعاملات الاثنين، مدفوعة بانخفاض أسعار الطاقة العالمية، ما ساهم في تخفيف المخاوف بشأن التضخم ومنح أسواق الدين الأوروبية فرصة لالتقاط الأنفاس بعد أسابيع من الضغوط البيعية وارتفاع تكاليف الاقتراض.
وجاء تحسن أداء السندات الأوروبية عقب تراجع العقود الآجلة للنفط الخام، إثر إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن هدنة تتعلق بمنشآت الطاقة بين روسيا وأوكرانيا، دون تأكيد رسمي من موسكو أو كييف.
وساعد انخفاض تكاليف الطاقة في تهدئة المخاوف التضخمية مؤقتاً، ما شجع المستثمرين على العودة إلى شراء السندات الحكومية، بعد موجة من ارتفاع العوائد خلال الأسابيع الماضية.
تراجع العائد على السندات الحكومية الألمانية لأجل 10 سنوات، التي تمثل المعيار المرجعي للاقتراض في منطقة اليورو، إلى 3.45%، فيما انخفض العائد على السندات لأجل عامين، الأكثر حساسية لتوقعات السياسة النقدية، إلى 3.07%.
وجاءت هذه التحركات بالتزامن مع إغلاق سوق سندات الخزانة الأميركية النقدية بمناسبة عطلة يوم كولومبوس، بينما استمرت التداولات بصورة طبيعية في أسواق الأسهم الأميركية.
امتد التحسن إلى سوق السندات الفرنسية، التي تعرضت لموجة بيع حادة خلال الأسابيع الماضية، وسط تصاعد القلق بشأن أوضاع المالية العامة وقدرة الحكومة على احتواء العجز.
وانخفض العائد على السندات الحكومية الفرنسية لأجل 10 سنوات إلى 4.852%، فيما تراجع العائد على السندات لأجل عامين إلى 3.617%.
ورغم هذا التحسن، حذر مستثمرون في أسواق الدخل الثابت من أن التحديات الهيكلية التي تواجه الديون الفرنسية لا تزال قائمة، وأن انخفاض العوائد قد لا يعكس تحولاً مستداماً في ثقة الأسواق.
وتتركز المخاوف حول قدرة الحكومة الفرنسية على تمرير تخفيضات الإنفاق المقترحة عبر البرلمان، بهدف السيطرة على عجز الموازنة المتوقع عند 5.4% من الناتج المحلي الإجمالي.
ولا يزال المستثمرون يطالبون بعلاوة مخاطر مرتفعة للاحتفاظ بالسندات الفرنسية مقارنة بنظيرتها الألمانية، في انعكاس لاستمرار القلق بشأن الاستقرار المالي والسياسي في باريس.
وبلغ الفارق بين عوائد السندات الفرنسية والألمانية لأجل 10 سنوات نحو 140 نقطة أساس، ما يعكس استمرار الضغوط على تكلفة الاقتراض الفرنسي رغم التراجع الأخير في العوائد.
يرى متعاملون في أسواق السندات أن التراجع الأخير في العوائد الأوروبية قد يكون مؤقتاً، خصوصاً أن الإعلان عن وقف الهجمات على منشآت الطاقة بين روسيا وأوكرانيا لم يحصل حتى الآن على تأكيد رسمي من الطرفين.
كما أن استمرار الضربات الأوكرانية على منشآت تكرير النفط الروسية يهدد بإبقاء اضطرابات إمدادات الوقود قائمة، ما قد يدفع أسعار الطاقة إلى الارتفاع مجدداً.
ويخشى المستثمرون أن يؤدي أي صعود جديد في أسعار النفط والغاز إلى تجدد الضغوط التضخمية في أوروبا، الأمر الذي قد ينعكس على توقعات أسعار الفائدة وعوائد السندات الحكومية.
ويشير محللون إلى أن استقرار أسواق الدين الأوروبية سيظل مرتبطاً بتطورات أسعار الطاقة، ومدى قدرة الحكومات على معالجة اختلالاتها المالية، في ظل استمرار حالة عدم اليقين الجيوسياسي.
يأتي الاستقرار النسبي في أسواق السندات بينما يعيد المستثمرون تقييم توقعاتهم لمسار السياسة النقدية للبنك المركزي الأوروبي، ترقباً لصدور بيانات اقتصادية جديدة ونتائج أعمال الشركات.
وكان ارتفاع عوائد السندات وتكاليف الطاقة قد أدى إلى تشديد الأوضاع المالية في منطقة اليورو، من خلال زيادة تكلفة التمويل على الحكومات والشركات والأسر.
لكن التراجع الأخير في أسعار النفط يمنح صناع السياسة النقدية هامشاً إضافياً للمناورة، في ظل محاولات تحقيق التوازن بين احتواء التضخم ودعم النشاط الاقتصادي.
ولا تزال أسواق المال تتوقع أن يتبنى البنك المركزي الأوروبي نهجاً حذراً وتدريجياً في قرارات الفائدة، مع الأخذ في الاعتبار أن اتساع فروق العوائد بين السندات السيادية يشكل قيداً إضافياً على النمو الاقتصادي في المنطقة.