
تواصل الضغوط تصاعدها في سوق السندات العالمية، بعدما استقر عائد السندات الحكومية الأميركية لأجل 30 عاماً قرب مستوى 5%، عقب تجاوزه هذا الحاجز للمرة الأولى منذ يوليو، في إشارة إلى أن التوترات في أكبر سوق دين في العالم لم تهدأ بعد.
يُعد مستوى 5% نقطة محورية للأسواق، إذ يفاقم المخاوف بشأن أوضاع الميزانية الأميركية وتزايد تكاليف خدمة الدين، مع تداعيات واسعة على بقية الأسواق المالية والاقتصاد الحقيقي، بما في ذلك احتمال ارتفاع معدلات الرهن العقاري وتأثر المستهلكين بحسب «بلومبرغ».
وبلغ العائد نحو 5.01% صباح الثلاثاء، بعد أن لامس 5.03% في جلسة الاثنين، ما يعكس استمرار ضغوط البيع في سوق السندات.
تعود موجة التراجع إلى تجدد القلق بشأن التضخم، واحتمال تقليص وتيرة خفض أسعار الفائدة، في ظل ارتفاع أسعار النفط مع استمرار إغلاق مضيق هرمز. كما يثير الإنفاق المتزايد من الشركات على تقنيات الذكاء الاصطناعي مخاوف من تسارع نمو الأسعار على المدى القصير.
في هذا السياق، قال فيفيك بول من معهد «بلاك روك» للاستثمار إن إعادة تسعير السندات تعكس تحول التوقعات نحو بقاء أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول، مضيفاً أن المؤشرات الاقتصادية تُظهر أن التضخم لا يتباطأ بالسرعة التي كانت متوقعة، في وقت لا يزال فيه الاقتصاد الأميركي متماسكاً نسبياً.
تُعقّد هذه التطورات آفاق خفض أسعار الفائدة، بعدما كانت الأسواق تتوقع تيسيراً نقدياً واسعاً مع دخول عام 2026. إلا أن التوقعات تحوّلت حالياً نحو احتمال تشديد إضافي من جانب الاحتياطي الفيدرالي، حيث تشير عقود المبادلة إلى احتمال بنسبة 50% لرفع الفائدة بمقدار ربع نقطة مطلع 2027.
كان الاحتياطي الفيدرالي قد أبقى أسعار الفائدة الأسبوع الماضي ضمن نطاق يتراوح بين 3.5% و3.75%، إلا أن ثلاثة من مسؤوليه عارضوا بيان السياسة، معتبرين أنه لم يعد مناسباً الإشارة إلى أن الخطوة التالية ستكون خفض الفائدة.
يتبنى معهد «بلاك روك» موقفاً حذراً تجاه السندات الأميركية طويلة الأجل، في ظل توقعات بارتفاع علاوة الأجل نتيجة صدمات الطاقة والضغوط القائمة. وتشير هذه العلاوة إلى العائد الإضافي الذي يطلبه المستثمرون مقابل الاحتفاظ بسندات طويلة الأجل بدلاً من أدوات أقصر أجلاً.
من جانبها، أوضحت هنرييتا باكمانت، مديرة المحافظ في شركة «أول سبرينغ»، أن العوائد الحالية أصبحت «جاذبة للاهتمام»، لكنها تفضل السندات متوسطة الأجل، مشيرة إلى أن الطرف الطويل من منحنى العائد يظل عرضة لتقلبات أكبر.
وأضافت أن العوائد قد تواصل الارتفاع في حال حدوث مزيد من الاضطرابات في إمدادات الطاقة، أو في حال تعرض البنية التحتية النفطية في الشرق الأوسط لمزيد من الأضرار، فضلاً عن احتمال أن يؤدي تسارع النمو المدفوع بالذكاء الاصطناعي إلى رد فعل من البنك المركزي يدفع العوائد للصعود.
يترقب المستثمرون إعلان وزارة الخزانة الأميركية خطتها الفصلية للتمويل، المقرر صدورها الأربعاء، والتي تقدم عادةً مؤشرات بشأن أحجام مزادات السندات حتى يوليو.
ورغم أن التوجيهات السابقة في فبراير أشارت إلى استقرار أحجام الإصدارات «لبضعة فصول على الأقل»، يتوقع محللون أن يتم تعديل هذه التوقعات مع الحاجة إلى زيادات محتملة في وقت أقرب.
في هذا السياق، أشار فريدريك روميدال بولسن، كبير الاستراتيجيين في شركة «فيليف» للتأمين، إلى أن توقيت تجاوز العوائد مستوى 5% خلال أسبوع إعادة تمويل الديون الأميركية «يحمل دلالة مهمة»، محذراً من احتمال أن تبدأ الخزانة الأميركية في تعديل توجيهاتها المستقبلية تمهيداً لزيادة أحجام الإصدارات العام المقبل.