تباطؤ الأجور والشواغر يحدّان من رهانات رفع الفائدة
التضخم الأساسي يستقر عند 2.6% رغم تراجع الخدمات

ارتفع معدل التضخم في المملكة المتحدة إلى 2.9% في يوليو، متوافقاً مع التوقعات، إذ أدى تأثير الحرب الإيرانية على أسعار الطاقة إلى تجدد تفاقم أزمة تكلفة المعيشة للأسر البريطانية.
ارتفع الجنيه الإسترليني عقب صدور البيانات، مع زيادة الرهانات على أن التضخم قد يدفع بنك إنجلترا إلى إبقاء الفائدة مرتفعة لفترة أطول، رغم استمرار الضغوط التي قد تدفع البنك إلى الحذر بشأن أي تشديد إضافي.
وأدى ارتفاع تكاليف الطاقة الناجم عن الزيادة الكبيرة في أسعار الوقود والغاز إلى دفع مؤشر أسعار المستهلك إلى الارتفاع، في المقابل، يقف تباطؤ نمو الوظائف حائلاً أمام رفع بنك إنجلترا أسعار الفائدة.
ارتفع الجنيه الإسترليني عقب صدور البيانات، إذ يراهن المتداولون على أنها ستقود بنك إنجلترا إلى رفع أسعار الفائدة في اجتماعه المقبل، في محاولة لكبح ارتفاع الأسعار الذي يثير سخط الناخبين في المملكة المتحدة.
وتشير حركة الجنيه إلى أن الأسواق ركزت في البداية على احتمال بقاء الفائدة مرتفعة لفترة أطول، رغم أن بيانات سوق العمل تقدم لبنك إنجلترا سبباً للحذر، ويعني ذلك أن قوة العملة قد تستمر ما لم تتحول توقعات المتداولين سريعاً نحو خفض الفائدة.
أعلن مكتب الإحصاءات الوطنية أن التضخم ارتفع من أدنى مستوى له في 15 شهراً، مسجلاً 2.6% في يونيو، مدفوعاً بارتفاع أسعار الغاز والكهرباء.
وتماشياً مع توقعات خبراء الاقتصاد في لندن، كان هذا أول ارتفاع في المعدل السنوي، وفقاً لمؤشر أسعار المستهلك، منذ مارس.
ويؤكد هذا التسارع في ارتفاع الأسعار على التحدي الذي يواجه حكومة آندي بورنهام في منح فسحة من الوقت للأسر التي تعاني ضغوطاً مالية، وذلك بعد أن واجه المستهلكون أكبر زيادة صيفية في فواتير الطاقة منذ أربع سنوات في يوليو.
وقال مكتب الإحصاءات الوطنية في بيان: «واجه المستهلكون ضغوطاً أخرى إلى جانب أكبر قفزة في أسعار الغاز منذ غزو روسيا لأوكرانيا في عام 2022، بما في ذلك انخفاض أسعار الأثاث بنسبة أقل من المعتاد في هذا الوقت من العام، وانخفاض أقل في أسعار الملابس بسبب انخفاض الخصومات».
قال محللو «كابيتال إيكونوميكس» في تقرير: «في ظل خلفية متقلبة في الشرق الأوسط، يدرس بنك إنجلترا ما إذا كان سيرفع أسعار الفائدة ابتداءً من الشهر المقبل استجابةً للمخاوف من أن التضخم المرتفع بشكل عنيد قد يتجذر في الاقتصاد».
ويأتي ذلك في الوقت الذي يستعد فيه وزير المالية، جون هيلي، لميزانية صعبة في أكتوبر، حيث يؤدي ارتفاع التضخم وزيادة تكاليف الاقتراض إلى تعقيد مهمة تمويل أولويات السياسة العامة لبورنهام.
واستغل بورنهام أسبوعه الأول كرئيس للوزراء للإعلان عن سلسلة من إجراءات تخفيف تكلفة المعيشة، بما في ذلك خفض ضريبة القيمة المضافة لتقليل فواتير الكهرباء للمستهلكين بمعدل 45 جنيهاً إسترلينياً سنوياً اعتباراً من أكتوبر.
وقال هيلي إن الاقتصاد البريطاني يتمتع بالمرونة، رغم أن تضخم الحرب في إيران رفع الأسعار على الأسر البريطانية، وأضاف في إحاطة للصحفيين: «لا يزال هناك الكثير مما يجب فعله لاستعادة الأمل وبناء اقتصاد أقوى يُوزّع فيه الرخاء بشكل أكثر عدلاً في جميع أنحاء بريطانيا».
تُظهر الأرقام الرسمية أن الاقتصاد البريطاني تجاوز التوقعات المتشائمة، مسجلاً أسرع معدل نمو بين دول مجموعة السبع في النصف الأول من هذا العام.
كما أظهر التضخم مؤشرات على انخفاضه بعد بلوغه ذروته عند 3.8% العام الماضي، وكان معدل التضخم الرئيسي يسير على المسار الصحيح نحو الانخفاض إلى ما يقارب 2% قبل اندلاع الحرب في إيران أواخر فبراير.
وقال خبراء اقتصاديون في «إتش إس بي سي»: «قد يتجاهل البنك المركزي الصدمة الأخيرة في أسعار الطاقة، إذ إن تباطؤ سوق العمل يحد من خطر استمرار التضخم عند مستويات مرتفعة».
وأظهرت بيانات منفصلة صدرت يوم الثلاثاء تباطؤ نمو الأجور في المملكة المتحدة خلال شهر يونيو، ووصول الشواغر إلى أدنى مستوى لها في خمس سنوات.
قال كبير الاقتصاديين في مؤسسة «ريزوليوشن»، جيمس سميث: « ويضعف تباطؤ سوق العمل حجة التشديد النقدي؛ إذ يشير تباطؤ نمو الأجور وانخفاض الشواغر إلى تراجع الضغوط المحلية، ما قد يسمح لبنك إنجلترا بالنظر إلى ارتفاع أسعار الطاقة باعتباره صدمة مؤقتة بدلاً من الاستجابة له برفع أسعار الفائدة».
قالت نائبة كبير الاقتصاديين في المملكة المتحدة لدى شركة الاستشارات «كابيتال إيكونوميكس»، روث غريغوري: «بما أن الانتعاش الأخير في أسعار الطاقة لا يستمر إلى أبعد من ذلك، فإننا ما زلنا نعتقد أن ضعف سوق العمل سيمنع حدوث آثار ثانوية، مما يعني انخفاض التضخم إلى 2% العام المقبل».
ومع ذلك، تتزايد المخاوف من ارتفاع حاد في التضخم في جميع أنحاء العالم نتيجة للقتال في الشرق الأوسط والظروف الجوية القاسية التي تؤثر في إنتاج الغذاء حول العالم.
أضافت غريغوري: «المعادلة التي تواجه بنك إنجلترا تبدو أكثر تعقيداً من مجرد ارتفاع التضخم؛ فالمؤشر الرئيسي يتحرك صعوداً بفعل الطاقة، بينما تتراجع بعض الضغوط المحلية في سوق العمل والخدمات، وإذا استمر هذا الانقسام، فقد يفضل البنك الإبقاء على الفائدة مرتفعة لفترة أطول بدلاً من رفعها مجدداً».
أبقت «ثريدنيدل ستريت» ــ بنك إنجلترا ــ تكاليف الاقتراض دون تغيير الشهر الماضي، حيث حذرت من أن أسوأ سيناريو، الذي ينطوي على مزيد من التصعيد في الحرب، يمكن أن يدفع التضخم في المملكة المتحدة إلى ذروة تبلغ 4.5% بحلول منتصف عام 2027.
وأظهرت أحدث الأرقام أن التضخم الأساسي، الذي يستثني البنود المتقلبة مثل الطاقة والغذاء، ظل ثابتاً عند 2.6%، وهو أعلى قليلاً من توقعات خبراء الاقتصاد في لندن البالغة 2.5%، بينما انخفض تضخم الخدمات من 3.6% إلى 3.4%.
وقال سميث: «الخبر السار هو أن الضغوط الأساسية لا تزال تتراجع، مع استمرار انخفاض التضخم في قطاع الخدمات، أما الخبر السيئ فهو أن هذه الموجة الجديدة من التضخم مدفوعة بأحداث في الشرق الأوسط خارجة إلى حد كبير عن سيطرة الحكومة».
وبذلك يجد بنك إنجلترا نفسه أمام تضخم أعلى من المستهدف، لكنه مدفوع جزئياً بعوامل خارجية، في وقت بدأت فيه سوق العمل فقدان بعض الزخم. وستحدد قدرة صدمة الطاقة على الاستمرار ما إذا كان ارتفاع يوليو مجرد انتكاسة مؤقتة أم بداية موجة تضخمية جديدة تعيد رهانات رفع الفائدة إلى الواجهة.
ومن المقرر أن يجتمع البنك في 17 سبتمبر المقبل، بعدما أبقى سعر الفائدة في اجتماعه الأخير في يوليو عند 3.75% بأغلبية 6 مقابل 3، مع تصويت ثلاثة أعضاء لرفعها إلى 4%.
ويضع ذلك اجتماع سبتمبر أمام اختبار حقيقي، إذ سيكون على صانعي السياسة تحديد ما إذا كان ارتفاع التضخم في يوليو مجرد صدمة مؤقتة من الطاقة، أم إشارة إلى ضغوط تستدعي إبقاء الفائدة مرتفعة لفترة أطول.