
في أسواق النفط، لا يتحرك السعر فقط وفق ما يتدفق فعلياً من البراميل، بل وفق ما قد يتوقف عن التدفق.
وبين هذا وذاك؛ أي بين الواقع والاحتمال، تتكوّن ما يُعرف بعلاوة المخاطر الجيوسياسية. اليوم، يقف «مضيق هرمز» في صميم هذه المعادلة، ليس كخلفية جغرافية للأحداث، بل كمتغير مالي يُعاد تسعيره يومياً في شاشات التداول.
يمر عبر المضيق ما يقارب خُمس تجارة النفط العالمية، إضافة إلى كميات معتبرة من المنتجات المكررة والغاز الطبيعي المسال. حتى بعد احتساب مسارات الأنابيب البديلة، تبقى ملايين البراميل يومياً عرضة لمخاطر أي تصعيد واسع. هذه الأرقام لا تُقرأ كإحصاءات لوجستية فحسب، بل كعناصر تسعير: كلما ارتفعت احتمالات الاضطراب—ولو نظرياً—ارتفع «قسط التأمين» المضاف إلى سعر البرميل.
اللافت أن السوق لا ينتظر التعطيل الفعلي. يكفي اقتراب مهلة سياسية أو تعثّر مسار تفاوضي مثل الجاري حالياً بين الولايات المتحدة وإيران أو حتى تصريح عشوائي من الرئيس الأميركي، حتى يبدأ المتعاملون بإعادة ضبط مراكزهم. تقديرات عدة تشير إلى أن ما يصل إلى عشرة دولارات من قيمة كل برميل يُعزى حالياً إلى علاوة المخاطر وحدها. هذه العلاوة ليست تعبيراً عن نقص في الإمدادات، بل عن عدم يقين بشأن ما قد يحدث لها.
تتباين المسارات المحتملة فيما قد يحدث في المنطقة من حولنا، في حال اقتصرت المواجهة على ضربات محدودة الأثر والمدة، قد نشهد قفزة سريعة في الأسعار يعقبها تراجع مع انحسار القلق، خصوصاً إذا لم تتضرر البنية النفطية أو طرق الشحن. أما السيناريو الأسوأ الذي يطال منشآت أو يهدد الملاحة—فسيعني انتقال التسعير من خانة «التحوط» إلى خانة «الصدمة». في مثل هذه الحالة، لن يكون السؤال عن مستوى السعر بقدر ما سيكون عن قدرة النظام على تعويض الفاقد، وعن سرعة استجابة القوى البحرية والتجارية لإعادة فتح الممرات.
ومع أن بعض التوقعات ما زالت تشير إلى فائض معروض خلال العام، فإن بنية السوق الآجلة لا تعكس وفرة مريحة. استمرار حالة تُسمى الـ(Backwardation) —حيث تكون الأسعار الفورية أعلى من المستقبلية، يوحي لنا بأن الإمدادات القريبة ليست غزيرة بما يكفي لامتصاص صدمة مفاجئة. هذه الإشارة التقنية تضفي وزناً إضافياً لعلاوة المخاطر: فالسوق يدخل مرحلة توتر وهو ليس مغموراً بفائض من النفط المخزن.
بالنسبة لدول الخليج، تبدو الصورة مركّبة. ارتفاع الأسعار يعزّز الإيرادات على المدى القصير، لكنه يحمل في طياته أخطارا كامنة سترفع علاوة المخاطر الجيوسياسية. المستثمر الأجنبي ينظر إلى استقرار الممرات البحرية والطاقة كعامل أساسي في قراراته طويلة الأجل. اهتزاز موثوقية مضيق هرمز قد يؤدي إلى ارتفاع كلفة التمويل، وتأجيل الاستثمارات، خصوصاً في القطاعات غير النفطية التي تعتمد على انسيابية التجارة. تاريخياً، كان الاستقرار السعري، لا القفزات الحادة، هو البيئة الأكثر ملاءمة للتخطيط المالي والاستثماري.
في المحصلة، يتحرك النفط اليوم عند تقاطع الجغرافيا السياسية ورياضيات التأمين. مضيق هرمز ليس مجرد ممر مائي، بل عقدة استراتيجية تُسعَّر احتمالات اضطرابها في كل صفقة. وطالما بقيت درجة عدم اليقين مرتفعة، سيظل جزء من سعر البرميل تعبيراً عن الخوف لا عن العرض والطلب وحدهما.
السؤال الذي يواجه المستثمرين وصناع السياسات ليس إن كانت هناك علاوة مخاطر، بل إلى أي مدى استوعبها السوق… وما الحدث التالي الذي قد يدفعه لإعادة تسعيرها فجأة.