logo
عقارات

مليون مسكن شاغر.. لماذا يعجز المغاربة عن شراء منزل؟

إدريس العيساوي: انخفاض المعاملات يعكس تمسك المطوّرين بهوامش الأرباح

العيساوي: ارتفاع الأسعار يجعل الاستفادة من الدعم الحكومي ضئيلة

مليون مسكن شاغر.. لماذا يعجز المغاربة عن شراء منزل؟
مدينة أغادير في المغرب على ساحل المحيط الأطلسي، 11 فبراير 2018.المصدر: شاترستوك
تاريخ النشر:

تتراجع معاملات العقارات في المغرب بوتيرة تفوق انخفاض الأسعار، في وقت تضخ فيه الدولة مليارات الدراهم لدعم شراء السكن، ما يكشف عن أزمة تتجاوز اتجاه الأسعار إلى قدرة الأسر نفسها على تحمّل كلفة التملك.

وتصبح المفارقة أكبر مع وجود نحو 1.1 مليون مسكن حضري شاغر، مقابل استمرار صعوبة وصول شريحة واسعة من الطبقة المتوسطة إلى السكن، ليطرح السوق سؤالاً مختلفاً: هل يحتاج المغرب إلى مزيد من الوحدات، أم إلى عقارات تتناسب أسعارها ومواقعها مع دخل المشترين؟

المبيعات تهبط أسرع من الأسعار

تكشف أحدث بيانات بنك المغرب والوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية «ANCFCC» عن اتساع واضح للفجوة بين حركة الأسعار والسيولة في السوق.

فخلال الربع الأول من 2026، تراجع مؤشر أسعار الأصول العقارية 2.4% مقارنة بالربع السابق، مقابل انخفاض عدد المعاملات 40.2%. وفي القطاع السكني تحديداً، تراجعت الأسعار 3% والمعاملات 38.4%، فيما انخفضت معاملات الأراضي 45.9%.

لكن المقارنة السنوية تقدم صورة أقل حدة، إذ انخفضت الأسعار 0.4% فقط مقارنة بالربع الأول من 2025، بينما تراجعت المعاملات 9.3%.

يرى المحلل الاقتصادي المغربي إدريس العيساوي لـ«إرم بزنس» أن السوق دخل مرحلة «جمود هيكلي ناتجة عن فجوة عميقة بين العرض الاستثماري والقدرة الشرائية الفعلية للمواطنين».

ويعتبر أن انخفاض المعاملات مقابل المقاومة النسبية للأسعار يعكس تمسك جزء من المطورين العقاريين بهوامش الأرباح رغم ضعف الطلب، ما يجعل التصحيح يظهر أولاً في عدد الصفقات وليس في سعر الأصل.

من جانبه، يرى المستشار الدولي في الاقتصاد والتخطيط الاستراتيجي أمين سامي، في حديثه لـ«إرم بزنس»، أن ما يحدث «ليس انهياراً في الأسعار، بل توقف مؤقت في سيولة السوق العقاري».

ويفسر سامي ذلك بأن المعاملات تستجيب بسرعة عندما تتراجع قدرة الأسر على التمويل، بينما تحتاج الأسعار إلى وقت أطول للتكيف، لأن المالك يفضل الانتظار بدلاً من البيع بسعر أقل، خصوصاً مع ارتفاع تكلفة الأرض والبناء.

وتدعم مؤشرات الأسر جانباً آخر من هذه القراءة. فبحسب المندوبية السامية للتخطيط «HCP»، قال 78.3% من الأسر في الربع الثاني من 2026 إن مستوى معيشتها تدهور خلال الأشهر الـ12 السابقة، فيما أفادت 38.7% بأنها تستدين أو تسحب من مدخراتها لتغطية النفقات، مقابل 2.6% فقط تستطيع ادخار جزء من دخلها.

كما يضع أحدث مسح هيكلي متاح للمندوبية متوسط دخل الأسرة عند 89,170 درهماً سنوياً، أي نحو 9.5 آلاف دولار، في 2022/2023، فيما ارتفعت حصة السكن والطاقة من إنفاق الأسر من 23% في 2014 إلى 25.4% في 2022.

أخبار ذات صلة

شعار البنك الدولي على شاشة هاتف محمول، كراكوف، بولندا، 2 فبراير 2023.

البنك الدولي يتوقع تباطؤ نمو الاقتصاد المغربي إلى 4.2% في 2026

مليون مسكن بلا ساكن

تظهر مفارقة أخرى عند الانتقال من الأسعار إلى حجم المخزون السكني. فوفق دراسة أصدرتها المندوبية السامية للتخطيط استناداً إلى تعداد 2024، بلغ عدد المساكن في المدن المغربية 8.34 ملايين وحدة، منها 5.9 ملايين وحدة مشغولة، مقابل نحو 1.1 مليون مسكن شاغر و1.3 مليون مسكن ثانوي أو موسمي.

وفي المقابل، قدرت المندوبية العجز الكمي في السكن بنحو 334 ألف وحدة، معتبرة أن العدد الكبير من المساكن الشاغرة يشير إلى صعوبات في مواءمة العرض مع الطلب.

ويرى العيساوي أن تفسير هذه المفارقة يكمن جزئياً في طبيعة العرض نفسه، إذ إن جزءاً من العقارات الشاغرة يوجد في مناطق بعيدة عن مراكز العمل والخدمات، في حين يبحث المشترون عن وحدات أقرب إلى فرص العمل والمرافق وشبكات النقل.

كما يشير إلى وجود وحدات موجهة إلى الاستثمار والإيجار السياحي، خصوصاً في مدن مثل مراكش وطنجة، إلى جانب مساكن يمتلكها مغاربة مقيمون في الخارج وتستخدم موسمياً، وهي عوامل تقلل حجم المخزون المتاح فعلياً للسكن الدائم.

ويعتبر أمين سامي أن وجود 1.1 مليون مسكن حضري فارغ «لا يعني وجود مليون مسكن مناسب وجاهز للسوق»، إذ إن جزءاً منه غير معروض للبيع أصلاً، أو يقع في الموقع غير المناسب، أو يأتي بمساحات وأسعار لا تتفق مع القدرة الشرائية للأسر.

كما سبق لكاتب الدولة المكلف بالإسكان أديب بن إبراهيم أن أشار إلى محدودية وارتفاع تكلفة الأراضي المتاحة للبناء داخل المدن الكبرى، ما يجعل سعر الأرض نفسه أحد العوامل التي تحد من قدرة المطورين على طرح وحدات بأسعار منخفضة.

أخبار ذات صلة

سياح يسيرون في ساحة جامع الفنا في مراكش المغربية، يوم 12 مايو 2022

المغرب يخطط لإضافة 60 ألف سرير فندقي استعداداً لكأس العالم 2030

هل يصل دعم السكن كاملاً إلى المشتري؟

تحاول الحكومة تقليص فجوة القدرة الشرائية من خلال برنامج الدعم المباشر للسكن، الذي يقدم 100 ألف درهم، أي نحو 10.7 آلاف دولار، لشراء مسكن لا يتجاوز سعره 300 ألف درهم، أي نحو 32 ألف دولار.

كما يقدم البرنامج 70 ألف درهم، نحو 7.5 آلاف دولار، للوحدات التي يزيد سعرها على 300 ألف درهم ولا تتجاوز 700 ألف درهم، أي نحو 74.7 ألف دولار.

ووفق الأرقام التي أعلنها أديب بن إبراهيم، تجاوز عدد المستفيدين 105 آلاف شخص بحلول يونيو 2026.

وكان المسؤول الحكومي قد كشف في مايو أن القيمة الإجمالية للمساكن المقتناة ضمن البرنامج تجاوزت 41 مليار درهم، أي نحو 4.4 مليارات دولار، ساهمت الدولة فيها بنحو 8 مليارات درهم، ما يعادل قرابة 854 مليون دولار ونحو 20% من القيمة الإجمالية، فيما تشكل الطبقة المتوسطة 60% من المستفيدين.

لكن ضخ هذه المبالغ يفتح سؤالاً آخر يتعلق بمدى احتفاظ المشتري بكامل المنفعة الاقتصادية للدعم.

ويقول العيساوي إن بعض الفاعلين في السوق ينتقدون ما يعتبرونه ارتفاعاً في أسعار بعض المشروعات عقب تطبيق الدعم، الأمر الذي يمكن، في حال إثباته، أن يؤدي إلى انتقال جزء من الإعانة إلى سعر الوحدة بدلاً من خفض الكلفة على المشتري.

وظهرت بالفعل انتقادات برلمانية مماثلة، لكن لا توجد حتى الآن دراسة رسمية منشورة تحدد ما إذا كان البرنامج رفع أسعار الوحدات المؤهلة، أو مقدار ما قد يكون انتقل من الدعم إلى البائع.

ولهذا يقترح العيساوي قياس الأثر بطريقة أكثر دقة من مجرد حساب عدد المستفيدين، عبر مقارنة تطور أسعار الوحدات المؤهلة للدعم مع العقارات غير المؤهلة، ودراسة الأسعار قبل إطلاق البرنامج وبعده، إلى جانب قياس تطور الأقساط الشهرية ومعدلات مديونية الأسر.

كما يقترح مقارنة أسعار البيع بتكاليف البناء وهوامش شركات التطوير العقاري، لمعرفة ما إذا كانت الزيادة في الأسعار ناتجة عن ارتفاع حقيقي في تكاليف الإنتاج أم عن تغير في هوامش الربح.

ويمكن كذلك اختبار ذلك عبر مراقبة أسعار الصفقات حول سقفي 300 ألف و700 ألف درهم، أي نحو 32 ألفاً و74.7 ألف دولار، لمعرفة ما إذا أصبحت المعاملات تتركز قرب الحد الأقصى المؤهل للحصول على الدعم بعد تطبيق البرنامج. 

أخبار ذات صلة

أوراق نقدية من الدولار الأميركي واليورو والجنيه الإسترليني، 7 مارس 2022.

المغرب.. تحويلات المغتربين ترتفع 10% إلى 6.6 مليار دولار خلال 6 أشهر

خفض الفائدة لا يحل أزمة القدرة الشرائية

حتى بعد الحصول على الدعم، يبقى التمويل الحلقة الأخرى في معادلة التملك. ووفقاً لبيانات نشرتها مواقع مغربية محلية، استناداً إلى أرقام منصة «Afdal» المغربية المتخصصة في مقارنة والوساطة في القروض العقارية، بلغ متوسط الفائدة على القروض العقارية 4.64% خلال النصف الأول من 2026، فيما بلغ متوسط الكلفة الإجمالية للقرض بعد احتساب الرسوم والتكاليف المرتبطة به نحو 5.49%.

ويعتبر العيساوي أن المشكلة أصبحت هيكلية أكثر من كونها مرتبطة بسعر الفائدة وحده، نتيجة اتساع الفجوة بين دخل الطبقة المتوسطة وسعر الأصل العقاري.

ويقول إن تخفيض الفائدة يستطيع خفض القسط الشهري، لكنه لا يعالج المشكلة إذا ظل أصل الدين مرتفعاً مقارنة بالدخل، مشيراً أيضاً إلى صعوبة توفير الدفعة الأولى من جانب الأسر التي تآكلت قدرتها على الادخار مع ارتفاع تكاليف المعيشة.

ويضيف أن الدعم الحكومي، رغم أهميته، يصطدم أيضاً بسقوف أسعار العقارات المؤهلة للاستفادة، ولا سيما في الأسواق الكبرى، إذ يصبح العثور على وحدات مناسبة للطبقة المتوسطة داخل المراكز الحضرية الرئيسية أكثر صعوبة.

جانب من مدينة الدار البيضاء المغربية يوم 20 أبريل 2023
جانب من مدينة الدار البيضاء المغربية يوم 20 أبريل 2023المصدر: شاترستوك
logo
اشترك في نشرتنا الإلكترونية
تابعونا على
تحميل تطبيق الهاتف