استقرار شبكة الكهرباء وتأمين إمدادات الغاز

مع تصاعد التوترات في المنطقة عقب إعلان دونالد ترامب شن ضربات على إيران، وما تبع ذلك من ردود متبادلة وتهديدات بتوسيع نطاق المواجهة، دخلت اقتصادات الشرق الأوسط مرحلة جديدة من عدم اليقين.
وفي هذا السياق، برز ملف مخزون السلع الاستراتيجية في مصر كأحد أهم الملفات المرتبطة مباشرة باستقرار السوق الداخلية، وقدرة الدولة على امتصاص الصدمات المحتملة.
الحكومة المصرية أعلنت تفعيل «غرفة الأزمات» بمجلس الوزراء لمتابعة تطورات المشهد لحظة بلحظة، وأكدت في الوقت ذاته أن مخزون السلع الغذائية آمن ويكفي لعدة أشهر، إلى جانب استقرار شبكة الكهرباء وتأمين إمدادات الغاز.
قرار تفعيل «غرفة الأزمات» جاء في توقيت حساس، حيث أكد بيان مجلس الوزراء أن المتابعة ستكون لحظية مع الجهات المعنية والمحافظات، مع إعداد تقارير دورية تُعرض على رئيس الوزراء لبحث سيناريوهات الأزمة وتأثيراتها على الداخل المصري.
الباحث الاقتصادي أبوبكر الديب مستشار المركز العربي للدراسات قال إن «هذا التحرك يعكس درجة عالية من الجاهزية وإدارة المخاطر»، موضحاً أن انعقاد اجتماع بين رئيس الوزراء ووزير التموين يحمل رسالة مباشرة للأسواق بأن الدولة تتابع التطورات ولا تنتظر وقوع الأزمة حتى تتحرك.
وأكد الديب لـ«إرم بزنس»، أن النهج الاستباقي في تكوين احتياطيات آمنة من السلع الأساسية أصبح ضرورة في ظل بيئة دولية مضطربة.
الحكومة المصرية أكدت أن مخزون السلع الغذائية يكفي لعدة أشهر، فيما يركز خبراء الاقتصاد على أهمية استدامة هذا المخزون وضمان إعادة تكوينه بكفاءة إذا تطلبت التطورات ذلك.
أبوبكر الديب شدد على أن إعلان توافر مخزون لعدة شهور هو نتيجة عمل مؤسسي متراكم خلال السنوات الماضية في ملف الأمن الغذائي.
وأضاف أن وجود احتياطي كافٍ يسهم في تهدئة المخاوف ومنع موجات تخزين غير مبررة قد تخلق أزمات مصطنعة في السوق.
في سياق متصل، أشار الديب إلى أن التنسيق بين الجهات لضخ السلع ومتابعة الأسعار يمثل ركيزة أساسية لضبط السوق، خاصة في فترات تزداد فيها معدلات الاستهلاك.
وأكد أن وجود مخزون آمن يمنح صانع القرار مساحة للتحرك بهدوء دون ضغوط آنية، كما يساهم في حماية الفئات الأكثر احتياجاً من تقلبات الأسعار المفاجئة.
كما أشار إلى أن العامل النفسي في الأسواق لا يقل أهمية عن العامل الاقتصادي، وأن الشفافية في إعلان بيانات المخزون تسهم في ضبط التوقعات ومنع المبالغة في ردود الفعل.
في المقابل، اعتبر المستشار الاقتصادي أحمد خُزَيِّم، رئيس منتدى التنمية والقيمة المضافة أن الأزمة قد تكون ممتدة، وأن تفعيل غرفة الأزمات خطوة مهمة، لكنها تحتاج إلى ترجمة عملية في صورة خطط بديلة واضحة، خاصة إذا طالت المواجهة وتوسعت رقعتها.
وقال «بعد شهر أو شهرين، كيف سيتم تعويض ما يُستهلك من المخزون إذا استمرت الأزمة؟ وبأي تكلفة؟».
وأضاف خُزيم لـ«إرم بزنس»، أن المسألة لا تتوقف عند مدة المخزون الحالية، بل عند القدرة على إعادة ملئه وسط احتمالات ارتفاع تكاليف النقل والتأمين وأسعار الطاقة.
أحد أبرز محاور القلق يتعلق بتكلفة الاستيراد، حيث حذر خُزيم، من أن أي تصعيد قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط لما يتجاوز 100 دولار للبرميل، وربما أكثر، وهو ما سينعكس على تكاليف الشحن والناقلات البحرية.
وأشار إلى أن مصر تعتمد على واردات كبيرة تشمل الغذاء والقمح والسلع الصحية، وأن زيادة تكاليف الشحن (الناولون) عالمياً ستنعكس مباشرة على الأسعار المحلية، خاصة إذا تزامنت مع ضغوط على العملة الأجنبية.
كما لفت الخبير الاقتصادي، إلى أن اضطراب الممرات المائية مثل «مضيق هرمز» أو «باب المندب» قد يضاعف من كلفة التجارة، وهو ما يضع المخزون الاستراتيجي أمام اختبار حقيقي، ليس من حيث الكمية فقط، بل من حيث القدرة على الاستمرار.
وربط خُزيم بين ملف المخزون الاستراتيجي والموارد الدولارية، محذراً من أن طول أمد الأزمة قد يؤثر في أهم ثلاثة مصادر للعملة الأجنبية وهم «قناة السويس، والسياحة، وتحويلات العاملين بالخارج»، خاصة في منطقة الخليج، مضيفاً أن «أي اضطراب في الملاحة أو تراجع في حركة السياحة سيقلص الموارد الدولارية، ما قد يحد من القدرة على تمويل استيراد السلع وإعادة تكوين المخزون».
خالد الشافعي، رئيس مركز العاصمة للدراسات والأبحاث الاقتصادية قال إن «الحديث عن كفاية المخزون لعدة أشهر مهم، لكن الأهم هو وضع رؤية متكاملة للاحتياجات الشهرية والربع سنوية والسنوية من السلع الأساسية».
وأكد لـ«إرم بزنس»، أن تسريع دعم الصناعة الوطنية وزيادة الإنتاج المحلي يمثلان خط دفاع طويل الأمد لحماية المخزون الاستراتيجي من التقلبات الخارجية.