المخصصات الاجتماعية تمثل 10% من الناتج المحلي الإجمالي

تشهد المملكة المغربية مرحلة دقيقة من التحول المالي والإداري مع اقتراب اعتماد مشروع قانون المالية لسنة 2026، الذي صدّقت عليه الحكومة تحت إشراف العاهل المغربي الملك محمد السادس، في مجلس وزاري انعقد في 19 أكتوبر 2025 بالقصر الملكي بالرباط.
الميزانية الجديدة، التي تصل قيمتها إلى 140 مليار درهم (15 مليار دولار)، مخصصة أساساً لقطاعي الصحة والتعليم، تبدو على الورق خطوة ضخمة نحو «المغرب الصاعد»، لكن الأسئلة تبقى مفتوحة حول مدى قدرتها الفعلية على تحسين جودة الخدمات العامة وتقليص الفوارق المجالية والاجتماعية.
يرى الخبير الاقتصادي إدريس عيساوي في تحليله لـ«إرم بزنس» أن «رفع حجم الميزانية لا يمكن أن يكون هدفاً في حد ذاته»، موضحاً أن العبرة ليست في ضخامة الأرقام بل في كيفية استخدامها وكفاءة الإنفاق.
ويقول عيساوي: «لا يجب بناء الاستراتيجيات على مبدأ الرفع الكمي للميزانيات المخصصة للقطاعات الاجتماعية، فالأهمية تكمن في طريقة استعمالها وفي أثرها الملموس على جودة الخدمات».
ويشير إلى أن المعضلة الجوهرية تكمن في «الفساد الإداري وضعف آليات التنفيذ، ما يجعل كثيراً من النفقات غير قادرة على تحقيق أهدافها الفعلية في تحسين الخدمات العمومية».
مشروع قانون المالية الجديد تم تحضيره وفق التوجيهات الملكية، كما عرضته وزيرة الاقتصاد والمالية أمام المجلس الوزاري، استناداً إلى خطابي عيد العرش وافتتاح السنة التشريعية.
ويأتي هذا المشروع في سياق دولي يتسم بعدم اليقين الاقتصادي وتباطؤ النمو العالمي. ورغم ذلك، يتوقع المغرب أن يسجل نموّاً بـ4.8% خلال 2025، مدعوماً بانتعاش الطلب الداخلي وحيوية الأنشطة غير الفلاحية.
كما تمكنت الحكومة من التحكم في التضخم عند حدود 1.1% بنهاية أغسطس 2025، مع استمرار السيطرة على عجز الميزانية في حدود 3.5% من الناتج المحلي الإجمالي، وهي مؤشرات توصف بالمتوازنة مقارنة بمحيط إقليمي متوتر.
بحسب عيساوي، فإن الزيادة في الإنفاق بنسبة 16 إلى 22% قد تضع ضغطاً كبيراً على المالية العمومية في حال لم يواكبها نمو اقتصادي فعلي بنفس الوتيرة.
ويحذر من أن أي تباطؤ في النمو قد يؤدي إلى اتساع عجز الميزانية وارتفاع الدين العام، رغم حرص الحكومة على الحفاظ على توازناتها المالية.
ومع ذلك، يرى أن «الرهان الحقيقي في مشروع قانون المالية هو تسريع أوراش المغرب الصاعد التي تهدف إلى الجمع بين العدالة الاجتماعية والتنمية المجالية المتوازنة».
حول سؤال ما إذا كان نمو الاقتصاد بين 4.4% و4.8% كافياً لتمويل الزيادات الاجتماعية دون تضخم، يقول عيساوي إن هذه النسب تبقى «إشارات» وليست ضمانات.
ويضيف: «البنك المركزي المغربي يؤدي دوراً محورياً في ضبط التضخم والتحكم في السيولة، وهو ما سمح بالحفاظ على استقرار الأسعار رغم الضغوط».
كما أشار إلى أن الورشات الكبرى المرتبطة بتنظيم بطولة إفريقيا 2025–2026 وكأس العالم 2030 (بشراكة مع إسبانيا والبرتغال) ستخلق فرص عمل جديدة وتدعم الطلب الداخلي، ما يساعد في تخفيف الضغط التضخمي.
تتجه الحكومة المغربية إلى إدارة التزاماتها المالية بين 2027 و2030 عبر ما تسميه «النموذج التنموي الجديد»، الذي سيمنح -بحسب عيساوي- «أريحية نسبية في التعامل مع الالتزامات الكبرى».
وتعتمد هذه المرحلة على شراكات مع القطاع الخاص، واستقطاب استثمارات أجنبية نوعية، مع ضبط الدين العام ضمن مستويات مقبولة.
لكن التحليل يلفت إلى ضرورة مواجهة التحديات المصاحبة لتنظيم كأس العالم 2030، التي تشمل ضبط الدين، وتحديث البنية التحتية، والارتقاء بجودة الخدمات العامة والسياحية لتوازي المعايير الإسبانية والبرتغالية.
يؤكد إدريس عيساوي أن المغرب «يسير في طريق الأمان» فيما يتعلق بتوزيع الموارد بين المناطق، مستشهداً بتجارب التضامن الوطني أثناء أزمات مثل زلزال الحوز وزلزال الحسيمة، حيث أظهر المجتمع قدرة عالية على التكافل بين الحضر والريف.
ويرى أن «نصف موارد الميزانية موجهة للقضايا الاجتماعية»، مع تركيز متزايد على المناطق النائية والجبال والواحات، وفق مبدأ الجهوية المتقدمة والتوزيع المتوازن للموارد.
بحسب مشروع قانون المالية، تمثل المخصصات الاجتماعية 10% من الناتج المحلي الإجمالي.
ويصف عيساوي هذه النسبة بأنها «طموحة لكنها غير كافية» إذا ما قورنت بتطلعات المواطنين، رغم أنها تضع المغرب ضمن الدول العربية الأكثر التزاماً بالإنفاق الاجتماعي.
ويشير إلى أن المملكة تعتمد مقاربة تراكمية ترتكز على العدالة الاجتماعية، وتحفيز الاستثمار، وتفعيل ميثاق الهيدروجين الأخضر، إلى جانب دعم المقاولات الصغيرة والمتوسطة باعتبارها المحرك الرئيس للتشغيل.
تتضمن الخطة افتتاح مركزين استشفائيين جامعيين جديدين في أكادير والعيون، واستكمال بناء مركز ابن سينا بالرباط، إلى جانب تأهيل 90 مستشفى وتوظيف 27 ألف شخص في القطاعين الصحي والتعليمي خلال عام واحد.
ويرى عيساوي أن هذه الأهداف “طموحة لكنها قابلة للتحقيق” إذا التزمت الحكومة بتقوية الحوكمة ومحاربة الهدر والفساد المالي والإداري في الصفقات العمومية.