logo
اقتصاد

عجز بالمليارات.. المغرب يفتح الدفاتر القديمة مع أكبر شركائه التجاريين

3.4 مليار دولار فائض التجارة الأميركية مع المغرب عام 2024

3 مليارات دولار سنوياً قيمة العجز التجاري للمملكة مع تركيا

مليار دولار صادرات مصر إلى المغرب مقابل واردات متواضعة

عجز بالمليارات.. المغرب يفتح الدفاتر القديمة مع أكبر شركائه التجاريين
حاويات شحن تُحمَّل على متن سفينة في ميناء طنجة الاستراتيجي، أحد أكبر موانئ التجارة والخدمات اللوجستية في إفريقيا والمتوسط، طنجة، المغرب، يوم 10 يوليو 2025المصدر: (أ ف ب)
تاريخ النشر:

يتجه المغرب إلى مراجعة شاملة لاتفاقيات الشراكة والتبادل الحر الموقعة مع بضع دول، وذلك بعد أن كشفت الأرقام عن اختلالات عميقة في الميزان التجاري لصالح بعض الشركاء.

تأتي هذه المراجعات في إطار سعي الرباط لتحقيق تكامل اقتصادي أكثر إنصافاً يضمن الربحية المتبادلة وحماية الصناعة الوطنية، وهو توجه يعكس قناعة رسمية بأن الانفتاح التجاري لم يُترجم دائماً إلى مكاسب متوازنة، بل حمل معه في حالات كثيرة كلفة على المقاولات المحلية والقطاعات الإنتاجية الحساسة.

الولايات المتحدة.. العجز الأكبر

منذ دخول اتفاقية التجارة الحرة بين المغرب والولايات المتحدة حيّز التنفيذ عام 2006، شهدت العلاقات التجارية بين البلدين نمواً ملحوظاً، حيث توسّع حجم المبادلات الثنائية، وازدادت فرص وصول المنتجات المغربية إلى السوق الأميركية، ولكن الميزان التجاري ظل يميل بشكل واضح لصالح واشنطن.

بحسب بيانات 2024، بلغ فائض التجارة الأميركية مع المغرب نحو 3.4 مليار دولار، إذ استوردت المملكة ما قيمته 5.3 مليار من السلع الأميركية، مقابل صادرات لم تتجاوز 1.9 مليار دولار.

وفق وحدة الأبحاث في «إرم بزنس»، فإن هذا العجز يُعدّ الأكبر بين شركاء المغرب التجاريين، وهو يعكس محدودية تنويع الصادرات المغربية للسوق الأميركية، مقابل تنوع وارداتها من تكنولوجيا ومنتجات زراعية عالية القيمة.

من ناحيته، يقول الخبير السابق ببرنامج الأمم المتحدة الإنمائي عبدالسلام شرقاوي لـ«إرم بزنس» إن اتفاقيات التبادل الحر، التي أبرمها المغرب مع شركاء مثل الولايات المتحدة انطلقت من مبدأ «رابح–رابح»، إذ هدفت إلى تمكين المنتجات المغربية من أسواق جديدة وتعزيز قدرتها التنافسية.

لكن شرقاوي يشدّد في المقابل على أن الواقع الحالي يُظهر عجزاً متكرراً؛ ما يضعف المنفعة المفترضة للمغرب، مشيراً إلى أن الإدارة الأميركية الآن بصدد مراجعة اتفاقياتها التجارية مع بضع دول، والمغرب واحدة منها، خصوصاً مع تخوف واشنطن من استغلال أطراف أخرى كالصين هذه الاتفاقيات كمنفذ لتجاوز الرسوم الجمركية المشددة المفروضة عليها.

يقول شرقاوي، إن عنصر «قاعدة المنشأ» (Rules of Origin) سيكون محورياً في أية إعادة تفاوض، لأنه يُستخدم لضمان أن الصادرات الموجّهة للاستفادة من الامتيازات التفضيلية هي بالفعل محلية، لا مستوردة من أطراف أخرى.

كما ينبه إلى أن الصادرات المغربية لا تزال تعاني من حواجز غير جمركية في الولايات المتحدة، أبرزها القيود الصارمة التي تفرضها هيئة الغذاء والدواء الأميركية (FDA)، والتي تُستعمل أحياناً كأداة حمائية تُقيّد دخول المنتجات المغربية، خصوصاً الزراعية والغذائية.

أخبار ذات صلة

مسافرون في مطار مراكش المنارة الدولي، المغرب، يوم، 13 يناير 2023.

المغرب.. هل يتحوّل إلى مركز عبور إقليمي من بوابة مونديال 2030؟

تركيا.. عجز مزمن رغم الرسوم 

تُعد العلاقة مع تركيا هي الأخرى نموذجاً بارزاً للتحديات التي يواجهها المغرب، فقد وُقعت اتفاقية التبادل الحر بين البلدين عام 2004، ومنذ ذلك الحين شهدت المبادلات التجارية نمواً كبيراً، لكن الميزان التجاري ظل يميل بوضوح لصالح أنقرة.

الواردات التركية، خصوصاً المنسوجات والملابس الجاهزة، غمرت السوق المغربية وألحقت أضراراً بالغة بالمصانع المحلية، ما دفع المغرب إلى فرض رسوم جمركية وصلت إلى 90% على بعض المنتجات، ورغم ذلك، بقي العجز التجاري مرتفعاً، إذ بلغ نحو 3 مليارات دولار سنوياً.

الرباط أعلنت في يونيو الماضي نيتها مراجعة الاتفاقية بشكل رسمي للحدّ من الضغوط على قطاع النسيج المحلي، مع السعي إلى ربط الامتيازات التجارية التركية باستثمارات صناعية تُقام داخل المغرب.

في هذا الإطار، يوضح شرقاوي، أن هذا التقييم يستند إلى بنود الاتفاقية نفسها، بما في ذلك تفعيل التدابير الحمائية، آليات التعديل، ومعالجة الفجوة التجارية، إضافة إلى وضع أهداف جديدة للشراكة تحقق التوازن.

أين يكمن الخلل؟

يلفت مدير مركز الصحراء وإفريقيا للدراسات الاستراتيجية عبد الفتاح الفاتحي لـ«إرم بزنس» إلى أن العجز مع تركيا كشف عن غياب تنافس متكافئ، إذ استفادت أنقرة من الامتيازات الجمركية لزيادة صادراتها بشكل كبير، بينما لم تتمكن الصادرات المغربية من الوصول إلى القوة ذاتها؛ ما دفع المغرب إلى اتخاذ إجراءات تصحيحية مثل فرض رسوم إضافية.

إلا أن الفاتحي يشدّد، في الوقت ذاته، على أن الحل لا يكمن فقط في الحماية الجمركية، بل في الدفع نحو مشاريع صناعية مشتركة داخل المغرب على اعتبار أن مثل هذه المشاريع ومنها مثلاً إنشاء مصانع غزل وصباغة وأقمشة تقنية، ستوفر بدائل محلية للمنتجات التركية، وتساعد على إعادة التوازن.

مصر.. اختلالات اتفاقية أغادير

من ناحيتها، تندرج العلاقة التجارية مع مصر ضمن اتفاقية أغادير، التي تضم أيضاً تونس والأردن. وكان الهدف من الاتفاقية تعزيز التكامل بين الاقتصادات العربية، لكن التجربة المغربية – المصرية أظهرت اختلالات كبيرة.

فبحسب أرقام 2024، ارتفعت واردات المغرب من مصر إلى أكثر من 800 مليون درهم (88 مليون دولار) بينما لم تتجاوز صادراته إليها 11 مليون درهم فقط.

لكن بحسب وحدة الأبحاث في «إرم بزنس»، فإن الفجوة أكبر من ذلك بكثير، إذ بلغت صادرات مصر نحو المغرب 1.01 مليار دولار، مقابل واردات مغربية متواضعة لا تتجاوز 46 مليون دولار فقط.

هذا التفاوت الهائل يتعمّق مع فرض القاهرة قيوداً على دخول السيارات المغربية؛ ما دفع الرباط إلى إجراءات مقابلة.

مئات السيارات بانتظار التصدير من ميناء طنجة المتوسطي - طنجة، 10 يوليو 2025
مئات السيارات بانتظار التصدير من ميناء طنجة المتوسطي - طنجة، 10 يوليو 2025 المصدر: أ ف ب

عبد الفتاح الفاتحي، يرى أن مصر أخلّت ببنود عدة من اتفاقية أغادير، أبرزها السماح بمرور منتجات غير محلية المنشأ باعتبارها مصرية، ورفض منتجات مغربية على أساس أنها ليست محلية الصنع، كما حدث مع السيارات وقطع غيار الطائرات.

هذا الأمر، جعل مراجعة الاتفاقية أولوية قصوى بالنسبة للمغرب، الذي يطالب بإعادة التوازن عبر فتح المجال لمنتجاته، خصوصاً في قطاع السيارات، وإقامة مشاريع صناعية مشتركة تقلّص الفجوة.

ويؤكد الفاتحي، أن قوة الموقف التفاوضي المغربي نابعة من الإغراءات المتاحة في السوق المغربية، والتي تمتد إلى أسواق إفريقيا الغربية، وبالتالي فإن المغرب بإمكانه اتخاذ ما يلزم لحماية سوقه من الإغراق، من خلال مراجعة الاتفاقية القائمة على أساس وفاء الدول الشريكة بالتزاماتها التجارية.

أخبار ذات صلة

سياح يسيرون في ساحة جامع الفنا في مراكش المغربية، يوم 12 مايو 2022

المغرب يستقبل 13.5 مليون سائح بنهاية أغسطس الماضي

الاتحاد الأوروبي.. شريك أول غير متكافئ

يُعد الاتحاد الأوروبي أكبر شريك تجاري للمغرب منذ توقيع اتفاقية الشراكة في 1996، وقد استفادت المملكة من هذه الاتفاقية عبر تعزيز صادراتها الزراعية والصناعية، خصوصاً إلى فرنسا وإسبانيا، غير أن الميزان التجاري لا يزال يميل لصالح أوروبا، حيث تمثل الواردات الأوروبية أكثر من نصف إجمالي واردات المغرب.

بحسب وحدة الأبحاث في «إرم بزنس» أيضاً، فإن الاتحاد الأوروبي يبقى شريكاً استراتيجياً لا يمكن للمغرب المخاطرة بعلاقته معه، لكنه يظل طرفاً غير متوازن في التبادل التجاري.

شرقاوي يرى، أن خصوصية هذه العلاقة تكمن في القرب الجغرافي والثقافي، لكن النتيجة الاقتصادية النهائية تُظهر أن المكاسب الأكبر تذهب لصالح الاتحاد الأوروبي.

في المقابل، يعتبر الفاتحي أن المغرب لا يضع مراجعة هذه العلاقة على رأس أولوياته، لأنه يستفيد منها في جذب الاستثمارات، وتوطين الصناعات الأوروبية، خصوصاً السيارات، والطائرات، والصناعات العسكرية.

التفاوض من موقع قوة

تؤكد الرباط أن هدفها ليس الانسحاب من الشراكات، بل إعادة صياغتها لتحقيق توازن أكبر. هذا التوجه يعتمد على نمو قطاعات السيارات، الأسمدة، الطيران، وعلى موقع المغرب كبوابة بين إفريقيا وأوروبا.

يعتبر شرقاوي أيضاً أن مراجعة الاتفاقيات ضرورة ملحّة لتفادي تقويض النسيج الاقتصادي المحلي، فيما يرى الفاتحي أن قوة المغرب التفاوضية تتعزز بجاذبية سوقه ومشاريعه المستقبلية، خصوصاً استضافته كأس إفريقيا 2025 وكأس العالم 2030؛ ما يجعله قادراً على فرض شروط تحقق مبدأ «رابح - رابح».

ويختم بأن هذه المراجعات، إذا أُنجزت بمرونة وذكاء، ستعزز مكانة المغرب في سلاسل القيمة العالمية، وتبقيه نقطة جذب للاستثمارات وركيزة للتجارة بين «الشمال والجنوب» و«الجنوب–الجنوب».

logo
اشترك في نشرتنا الإلكترونية
تابعونا على
تحميل تطبيق الهاتف